تفسير سورة سورة الأنفال

إبراهيم القطان

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير المنار
محمد رشيد رضا
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المنار
رشيد رضا
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تيسير التفسير

إبراهيم القطان (ت 1404 هـ)

الأنفال: جمع نَفَل بالتحريك وهي الغنيمة. ذات بينكم: فيما بينكم. وجلت قلوبهم: فزت وخافت.
خرج النبي ﷺ من مكة مهاجراً إلى المدينة بسبب مكر المشركين وتدبيرِهم أمر قتله، وليكون للمسلمين دولة. وقد استقر بالمدينة ومن حوله المؤمنون من المهاجرين والانصار، وكان لا بد من الجهاد لدفع الاعتداء، ليكلا يُفتَن أهلُ الإيمان. فكانت غزوة بدر، وكان فيها النصر المبين والغنائم. وكان وراء الغنائم فيها نفوس بعض المسلمين لتطهيرها من الاختلاف الذي نشأ عن حب المال والتطلع الى المادة، وهو من اكبر أسباب الفشل.
فكان من مقتضيات الحكمة الإلهية ان يتلقى المؤمنون في مبدأ حياتهم هذا الدرس القوي الذي يقتلع بذور الشح والطمع وحب المادة من قلوبهم.
يسألونك أيها الرسول عن الغنائم. لمن هي؟ وكيف تقسم، أللشُبّان أم للشيوخ؟ أو للمهاجرين هي، أم للانصار؟ ام لهم جميعا؟.
قل لهم أيها الرسول:
إنها لله والرسول، والرسول بأمر ربه يتولى تقسيمها، فاتركوا الاختلاف بشأنها، واتقوا الله واجعلوا خوف الله وطاعته شِعاركم، وأصلحوا ما بينكم فاجعلوا الصلاة بينكم محبة وعدلا. هذه صفةُ أهل الايمان.
ثم وصف الله تعالى المؤمنين المخلصين في إيمانهم بأنهم هم الذين اجتمعت فيهم خصالٌ خمس: (١) ﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الذين إذا ذكَروا الله بقلوبهم فزِعوا لعظمته وسلطانه، وامتلأت قلوبهم هيبة.
(٢) ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ وكلّما تليت عليهم آيات من القرآن ازداد إيمانهم رسوخا، وازدادوا إيمانًاً وعلما.
(٣) ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ولا يعتمدون الا على الله الذي خلَقَهم، ولا يفوّضون أمرهم الى سواه. ومعنى التوكل: ان نسعى للعمل كما أمرنا الله راجين منه التوفيق في سعينا مؤمنين بان العمل شرط أساسيُّ للتوكل.
(٤) ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ وأولئك المؤمنون الصادقون في ايمانهم، يؤدون الصلاة مستوفية الاركان، كاملة الخشوع والخضوع، وبهذا تحصل ثمرة الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
(٥) ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ وينفقون بعض ما رزقناهم من المال في الجهاد والبِرِّ ومعاونة الضعفاء، وفي مصالح الأمة ومرافعها العامة.
﴿أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً...﴾ هؤلاء، هم الذين يوصفون بالأمان حقا وصدقا. ولهم جزاؤهم درجات عالية عند الله، وهو الذي يمنحهم رضاه، ويغفر لهم سيئاتِهم، ويرزقهم رزقاً طيباً كريما في الحياة الدنيا، ونعيماً دائماً في الآخرة.
الشوكة: القوة والبأس، والسلاح، ومعنى ذات الشوكة: الطائفة المسلّحة القوية. إحدى الطائفتين: الأولى هي الطائفة التي جاءت من الشام بقيادة أبي سفيان ومعها العِير وفيها أموال قريش. والثانية: قريش وقد خرجت بصناديِدها ورجالها المسلّحين ليحموا العير. دابر الكافرين: آخرهم ليحق الحق: ليعزّ الإسلام ويبطل الباطل: يزيل الشرك والكفر.
الكلام هنا عن غزوة بدر التي كانت أول فوزٍ للمؤمنين وخذلانٍ للمشركين. وملخص القصة: ان رسول الله ﷺ سمع أن أبا سفيانَ رجع من الشام يقود قافلةً ضخمة فيها معظم اموال قريش وتجارتها. فأخبر أصحابه ونَدَبَهم إلى الخروج ليصادروا هذه القافلة لكن البعض تثاقل وكره الخروج وخرج الرسول في ثلاثمائة رجل ونيف، ولم يعلموا انهم مقبلون على واحدة من أعظم المعارك الفاصلة في التاريخ.
وعِلم أبو سفيان بخروج الرسول وأصحابه فبعث الى قريش يطلب النجدة. ولم يبق أحد قادر على حمل السلاح في مكة إلا خرج. أما أبو سفيان فحوّل طريقه الى ساحل البحر ونجا، وبعث الى قريش يخبرهم بذلك ليرجعوا. فأبى أبو جهل وسار بالقوم الى بدر. فشاور النبي ﷺ أصحابه وقال لهم: ان الله وعَدَني إحدى الطائفتين، فوافقوه على القتال، وكره ذلك بعضهم وقالوا: لم نستعدَّ له، لكنهم ساروا وأجمعوا على لقاء قريش وكانت المعركة في اليوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة وقد انتصر المسلمون انتصراً عظيما، فقتلوا من قريش سبعين رجلا، وأسروا سبعين، وفر الباقون، واستُشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا فقط. وكانت هذه المعركة أول نصر للمسلمين، فبدأ ينحاز كثير من العرب الى جانبهم بعد ذلك.
﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ﴾.
إن حال المؤمنين في خلافهم حول الغنائم مثل حالهم عند ما أمرك اللهُ بالخروج من المدنية لقتال المشركين ببَدْر.
يومئذٍ كانوا يجادلونك أيها الرسول في لقاء قريش وقتالهم مع ان هذا اللقاء والقتال مع ان هذا اللقاء والقتال حق وخير. ولقد آثروا لقاء العِير لأن فيها الأموال، ولأن حراسها قليلون. لكن الحق تبيَّنَ بحيث لم يبقَ للجدل فيه وجه كما يقول تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الحق بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ وكانوا في ذهابهم الى القتال كالذي يُساق الى الموت وهو ينظر أسبابه ويعاينُها. وهذه صورة يرسمها القرآن لشدَّة خوفهم من قريش، لأنها أكثرُ عددا، وأقوى عدة.
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ اذكروا أيها المؤمنون اذ يَعِدكم الله ان ينصركم على احدى الطائفتين، قريش وفرسانها، أو العِير وما فيها من أموال. انتم تودّون أن تَلقوا الطائفة التي فيها المال، لكنّ الله تعالى يريدكم ان تلقوا قريشاً وينصركم عليهم، ليثبت الحقُّ بإرادته ويُعز الإسلام ويُظهره على الدِّين كلّه، وليقطع دابر الكافرين بعد ان يزيل الباطل، وهو الشِرك، لقد أردتم أنتم حطام الدنيا الزائل، وأراد الله لكم النصر على قريش أعداءِ الله واعدائكم، كيما يحقِّق لكم وعدَه بالنصر. هذا أفضلُ لكن وللإسلام وفيه العزة والكرامة، وهو خير من المال وكل ما في الدنيا من حطام الدنيا الزائل، واراد الله لكم النصر على قريش أعداءِ الله واعدائكم، كيما يحقِّق لكم وعدّه بالنصر هذا أفضلُ لكم وللاسلام، وفيه العزة والكرامة، وهو خير من المال وكل ما في الدنيا من حطام.
مردفين: متتابعين، وأردفه اركبه خلفه. وأردف: تتابع يغشيكم النعاس: يغلبكم رجز الشيطان: وسوسته، وله معان أخرى كالذنب، وعبادة الأوثان. ليربط على قلوبكم: ليثبتها ويصبرها. فوق الأعناق: الرؤوس، والبنان: أطراف الأصابع. مفرده: بنانة. شاقّوا الله: عادوه.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ روى ابن جرير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهـ قال: حدثني عمر بن الخطّاب رضي اله عنه قال: لما كان يومُ بدرٍ نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا، ونظر الى المشركين فإذا هم ألفٌ او يزيدون، فاستقلَ القبلة ثم مدّ يديه وجعل يهتف بربه: اللهمّ أنجِزْ لي ما وعدتني، اللهم إن تهلَك هذه العصابةُ لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبلاً القبلة حتى سقط راداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من وارئه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربَّك فإن سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾.
اذكروا وقتَ استغاثتكم ربَّكم، فأجاب الله دعاءكم، وأمدكم بألف من الملائكة متتابعين. وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد بالملائكة إلا بِشارةً لكم بالنصر، لتطمئنّوا وتُقْدِموا، وما النصر الا من عند الله دون غيره من الملائكة او سواهم، وقد تقدمت هذه الآية في سورة آل عمران ١٢٦.
قراءات:
قرأ أبو عمرو: «فاستجيبوا لكم إنّي ممدكم» بكسر همزة إنَّ والباقون «أَنّي» بفتح الهمزة وقرأ نافع ويعقوب: «مُرْدَفين» بفتح الدال. والباقون «مردفين» «بكسر الدال».
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ اذكروا أيها المؤمنون، وقتَ أن خفتم من قلة الماء، ومن الأعداء، فوهبكم الله الأمن وداهمكم النعاسُ فنمتم آمنين. وعند ذاك انزل الماءَ من السماء لتطَّهَّروا به ولتذهبوا وساوس الشيطان عنكم، وتثبت قلوبكم واثقة بعون الله ولتتماسك به الأرض فتثُبت منكم الأقدام.
قراءات:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يغشاكم النعاسُ» بضم السين.
فقد أنزل الله في تلك الليلة مطرا طهَّركم به وأذهب عنكم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ وصلُب الرمل، وثبتت الأقدام. وقد سبق رسول الله وأصحابه الى الماء فنزلوا عليه وصنعوا الحِياض ثم عوَّروا ما عداها، وبذلك تمكّنوا من الشرب والأعداء عِكاش. وتفصل ذلك في كتب السيرة والحديث.
كذلك اذكروا أيها المؤمنون أن الله أوصى الملائكة أن تودِع في نفوسكم أن الله معكم بالتأييد والنصر، قائلا لهم: ثبِّتوا الذين آموا، قوُّوا قلوبهم.. وسأجعل الرعب يستولي على قلوب المشركين، فاضربوا رؤوسهم التي فوق اعناقهم، وقطِّعوا ايديهم التي يحملون بها السيوف.
﴿ذلكم فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النار﴾ ان هذا هو العقاب الذي عجَّلتُ لكم به ايها الكافرون من هزيمة وخِزي وذلّ أمام فئة قليلة العَدد والعُدد من المسلمين، فذوقوه في الدنيا عاجلا، واعلموا ان لكم في الآخرة عذاب النار.
زحفا: مشياً بثقل في الحركة. زحف الجيش إلى العدو مشى اليهم في نقل كأنه جسم واحد الأدبار: واحدها دُبر مؤخرة إلانسان، يراد بها الهزيمة. متحرفا لقتال: منحرفا الى جانب آخر. متحيزا الى فئة: منضمّا اليهم. مأواه جهنم: مصيره إليها. موهن كيد الكافرين: مضعف كيدهم وتدبيرهم.
يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا في الميدان وهم زاحفون عليكم بكثرتهم فلا تقرّوا منهم، إلا أن يكون ذلك مكيدَة حرب، وحيث تختارون موقعاً أحسن، او تدبّرون خطة، او يكون ذلك التحيز انضماماً إلى فئة أخرى من المسلمين، لتعاودوا القتال. ان من تولّي منكم وانهزم من وجه العدو يغضب الله عليه، ومصيره الى النار.
والتولِّي يوم الزحف كبيرةٌ من السبع الموبقات، كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله ﷺ: «اجتنِبوا السبعَ الموبقات، قيل يا رسول الله وما هنّ؟ قالك الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرّم الله الا بالحق، وأكلُ الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يومَ الزحف، وقذف المحصنَات الغافلات المؤمنات».
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكن الله قَتَلَهُمْ﴾. إذا كنتم ايها المؤمنون قد انتصرتم عليهم وقتلتموهم، فإنكم لم تفعلوا ذلك بقوتكم، بل إن الله هو الذي نصركم عليهم بتأييده لكم وإلقاء الرعب في قلوبهم، وما رميتَ أيها الرسول اذ كمت ترمي التراب والحصا في وجوههم، ولكن الله تعالى هو الذي رمى فافزعهم.
﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاءً حَسَناً﴾ والله قد فعل ما ذكر ليبلي المؤمنين بالشدة، ليظهر اخلاصهم، ويُنعم عليهم بالنصر والغنيمة، وليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه.
﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم.
﴿ذلكم وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين﴾ ذلك هو النصر العظيم، وان الله مضعف بأسَ الكفارين وتدبيرهم بنصركم وخذلانهم. وهذه بشارة أخرى مع ما حل من النصر، فانه أعلمَهم بانه مضعفٌ كيدَ الكافرين فيما يُستَقْبل من الأيام.
قراءات:
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر «مُوهِنٌ كيدَ الكافرين» بالتنوين ونصب كيد، وقرأ ابو عمرو وابن كثير ونافع: «مُوَهّنٌ كيد» بتشديد الهاء. وقرأ حفص: «مُوهِن كيد» بالإضافة وهي قراءة المصحف. وقرأ نافع وابن عامر وحفص «وأنَّ» بفتح الهمزة والباقون بكسرها.
﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ يتجه الخطاب هنا الى الكافرين فقد قال أبو جهل: «اللهُمَّ أيُّنا كانَ اقطع للرحم، وآتى بما لا يعرف فأَحْنِهِ الغداة» ويعني بذلك الرسول الكريم، وقوله: «كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد» ومعنى أحْنِهِ أَمِتْهُ. يعني اجعله ينحني ويسقط على الأرض.
إن تستفتحوا فتطلبوا من الله ان يفتح بينكم، وبين المسلمين، وأن يُهلك أضلَّ الفريقين وأقطعَهُا للرحم فقد استجاب الله، فجعل النصر للمسلمين، والهزيمة عليكم.
﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وعلى ضوء هذه الحقيقة، يرغِّبهم الله في الانتهاء عما هم فيه من الشرك والكفر ومحاربة الله ورسوله وان تعودوا للاعتداء نعدْ عليكم بالهزيمة.
﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ لن تغنَي عنكم جماعتكم المجتمعة على الإثم شيئا، ولو كان عددها كثيرا، ومإذا تفعل الكثرة اذا كان الله في جانب المؤمنين!
﴿أَنَّ الله مَعَ المؤمنين﴾ اذا صدقوا وأخلصوا لله وللرسول، وقاموا بواجبهم، ونصروا الله ورسوله.
تقدم أن سورة الأنفال نزلت تحلّ مشكلات المؤمنين في غزوة بدر من الغنائم والأسرى وغير ذلك، وتذكرهم بنعم الله عليهم، وتعرِض لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من شجاعة وثبات حتى يظفروا بالنصر والفلاح، ويحصلوا على العزة التي جعلها الله لعباده المؤمنين.
في سبيل هذا ناداهم الله ست مرات بوصف الإيمان ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ وقد تقدم النداء الأول في الآية من ١٥-١٩ حذرهم فيه من الفرار أمام الأعداء.
والنداء الثاني في هذه الآية: ﴿ياأيها الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ...﴾ أطيعوا الله ورسوله في الإجابة إلى الجهاد، وقد علمتم ان النصر كان بتأييد الله وطاعة رسوله، فاستمروا على طاعتكم لله وللرسول، ولا تعرضوا عن دعوة الرسول الى الحق وانتم تسمعون كملامه الداعي الى وجوب طاعته وموالاته ونصره.
ولا تكونوا كالمنافقين الذين قالوا: سمعنا الحق ووعيناه، لكنهم لا يذعنون له.
ان أولئك المشركين ومعهم المنافقون، هم كشرّ الدواب التي أصيبت بالصَّمم فلا تسمع، وبالبُكم ف تتكلم، فقد صمّوا عن الحق فلميسمعوه، ولم ينطقوا به ولم يفعلوه. ولو علم الله بعلمه الأزَلي أن فيهم خيراً لأنفُسهم وللناس وللحق، لأسمعهم مسامع هداية يوصل الحق الى عقولهم.
﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ ولو سمعوه وفهموه لانصرفوا عن الهداية، وهم منصرفون عن تدبير ما سمعوا والانتفاع به، فقدوا نوره الفطرة وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
هذا هو النداء الثالث: بعد ان ركّز الأمر على أساس من الطاعة والتحذير من المخالفة، ناداهم بإنهاض الهمة وتقوية العزيمة، والمبادرة إلى الطاعة وإلامتثال دون إبطاء وتسويف، وأرشدهم الى أن ما يدْعَون إليه فيه حياتُهم، بالعلم والمعرفة، بالشرف والهمزة بالسلطان وعلوا الكلمة، بالسعادة الحقة والنعيم المقيم.
يا أيها الذين آمنوا أجيبوا الله ولبّوه فيما يأمركم به، وأجيبوا الرسول في تبليغه ما يأمره الله به، إذا دعاكم الرسول الى أوامر الله بالأحكام التي فيها حياة أجسامكم وأرواحكم وعقولكم وقلوبكم. فنحن مأمورون ان نطيع الله بالأحكام التي فيها حياة اجسامكم وارواحكم وعقولكم وقلوبكم. فنحن مأمورون ان نطيع الرسول الكريم ونتّبع ما يقول وما يفعل، وما يأمرنا به وما ينهانا عنه. ان سنّة الرسول الكريم أصل من أصول الإسلام، والعمل بها عملٌ على حفظ كيان الاسلام وتقدمه، وفي تركها انحلال الاسلام. كيف نفهم القرآن الكريم لولا سنّة رسوله؟ لقد وردت الصلاة والزكاة والحج وكثير من أركان الاسلام بألفاظ عامة في القرآن الكريم، والرسول هو الذي علّمنا إياها وشرحها لنا بأحاديثه وأفعاله.
وهنالك في هذه الأيام فئات من الناس يدعون الى ترك الحديث وسنة الرسول وعدم الأخذ بها، وما هذه الدعوة الا لهدم الاسلام وتقويض أركانه. وهذا خروج عن الاسلام والحاد كبير نعوذ بالله منه.
﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ﴾ واعلموا علم اليقين ان الله قائم على قلوبكم، يوجّهها كما يشاء.
روى البخاري وأصحاب السنن قال: كانت يمين النبي «لا ومقلّب القلوب». وفي صحيح مسلم: «اللهم مصرّف القلوب، صرِّفْ قلوبنا الى طاعتك».
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وإنكم جمعا ستُجمعون يوم القيامة يوم البعث والجزاء.
هنا أمرنا الله ان نتقي الفتن الاجتماعية التي لا تخص الظالمين، بل تتعداهم إلى غيرهم، وتصل الى الصالح، فقال: ﴿واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ قال ابن عباس: امر الله المؤمنين ان لا يقروا المنكّر بين أظهُرهم فيعمّهم العذاب «وفي صحيح مسلم عن زينب بن جحش أنا سألت رسول الله، فقالت له: يا رسول الله أنِلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث».
فاتقوا أيها المؤمنون الفتن، واضربوا على أيدي المجرمين، فان الذنب العظيم مفسدٌ جماعتكم ولا يصيب الذين ظلموا وحدهم، بل يصيب الجميع. والأفرادُ في نظر القرآن مسئولين عن خاصة انفسهم، ومسئولون عن أمتهم أيضًاً فإذا قصروا في أحد الجانبين او فيهما- عرّضوا انفسهم وأمتهم للدمار والهلاك.
﴿واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ للأمم والأفراد اذا سكتوا عن الفحشاء والمكَر فيهم، ولم يتلافوا المفاسد التي تحصل بينهم.
ثم يشفع الله هذا التحذير بتذكيرهم بنعمة الله عليهم حينما استجابوا وتضامنوا في المسؤولية والحرص على إعلاء كلمته، وكيف نظر الله اليهم على قلتهم فكثّرهم، والى ضعفِهم فقوّاهم وخوفهم فآمنهم، فقال:
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ تذكّروا أيها المؤمنون، وقت أن كنتم عدداً قليلا، وضعفاء يستغلّ أعداؤكم ضعفكم، وقد استولى عليكم الخوف من ان يتخطفكم أعداؤكم فيفتكوا بكم. يومئذٍ آواكم أيها المهاجرون إلى يثرب حيث تلقّاكم الأنصار، وأيدكم وإياهم بنصره في غزواتكم، ورزَقكُم الغنائم الطيبة رجاء ان تشكروا هذه النعم تفسيرا في طريق الجهاد لإعلاء كلمة الله.
ثم يأتي النداء الرابع، وفيه ينبّههم الى ان مخالفة الله في أوامره- ومن أشدِّها إفشاء سر الأمة للأعداء - خيانةٌ لله ولرسوله وخيانة للأمة، وحسب الخائنين سقوطا عند الله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٩].
يا ايها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول بموالاة الاعداء، ولا تخونوا الأمانات التي تكون بينكم، فالخيانة من صفات المنافقين، والأمانة من صفات المؤمنين.
واكبر خيانة في الوقت الحاضر هي قعود المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، وتركُ المسجد الأقصى في يد أعداء اله اليهود. فالخيانة بكل معانيها صفة مذمومة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ان النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: اذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلَف، واذا ائتُمِن خان، وان صام وصلى وزعم انه مسلم» ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وانتم تعلمون مفاسد الخيانة وتحريم الله لها وسوء عاقبتها في الدنيا والآخرة.
﴿واعلموا أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يحذّر الله هنا من شهوة النفس في الحرص على المال والولد، ذلك ان فتنة الأموال والأولاد عظيمة لا تخفى على ذوي الالباب، فلا تغلِّبوا ايها المؤمنون محبة المال والولد على محبة الله تعالى.
— 103 —
إن ذلك يفسِد أموركم. فيجب على المؤمن الصادق الإيمان ان يتقي الفتنة في المال بأن يكسبه من الحلال وينفقه في سبيل البر والاحسان، ويتقي الفتنة في الأولاد بحسن تربيتهم وتعويدهم الفضائل وحسن الأخلاق.
﴿وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يجزيكم به عن المال والولد، فعليكم ان تؤثروا ما عند ربكم.
لمّا حذّر الله تعالى عن الفتنة بالأموال والأولاد، قفّى على ذلك بطلب التقوى التي هي أساس الخير كله، وان التقوى شجرة مثمرة، اعظم ثمارها الفرقان والنور الذي يبصرّنا بالحق والعدل والصلاح، والذي به نهتدي ونسعد، كما تُمحة سيئاتنا، ويغفر الله لنا ذنوبنا، وبه تفتح لنا أبواب السماء.
وهذا هو النداء الخامس:
﴿يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله ذُو الفضل العظيم﴾ انت تخضعوا لأوامر الله في السر والعلن، يجعل الله تعالى في أنفسكم قدرةً تفرّقون بها بين الحق والباطل، وينصركم على أعدائكم، ويغفر لكم جميع ذنوبكم، فهو ذو الفضل العظيم عليكم وعلى جميع خلقه.
— 104 —
ليُثْبتوك: ليمنعوك من الحركة بالحبس وشد الوثاق. يمكرون: يدبرون لك أخبث الحيل. ويمكر الله: يُبطل مكرهم الأساطير: واحدها أُسطورة، وهي الخرافات والأحاديث القديمة. مُكاءً: تصفيراً بالفم. وتصدية: تصفيقا باليد.
في هذه الآيات الكريمة تصوير لموفق المشركين وهم يبيتون لرسول الله قبل الهجرة ويتآمرون عليه.
اذكر أيها الرسول نعمة الله عليك إذ يمكر بك المشركون للإيقاع بك، إما بالحبس الذي يمنعك من لقاء الناس ودعوتهم إلى الإسلام، وإما بالقتل، وإما بأن يُخرجوك من مكة، يدبّرون لكم التدبير السيء، والله تعالى يُبطل مكرهم بأن يدبرّ لك الخروج من شرهم. وتدبيرُ الله هو الخير وهو الأقوى والغالب.
ولما قص الله علينا مكرهم في ذاتِ النبيّ عليه السلام قصّ علينا هنا مكرهم في دِين محمد فقال:
﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا﴾
اذكر أيها النبي معاندة المشركين عندما كنتَ تقرأ عليهم آياتِ القرآن الكريم، وهي آياتنا، فيقولون جهلاً منهم وعناداً للحق: لو أردنا ان نقول مثل هذا القرآن لفعلْنا، ان هذا يشبه أساطير الأمم القديمة وخرافاتها.
وكان زعماء قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة والنضْر بن الحارث وغيرهم يتواصَون بالإعراض عن سماع القرآن ويمنعون الناس عنه. وكان النضر بن الحارث يحفظ كثيرا من أخبار الأمم القديمة كالفرس والهند وإليهود، فكان يتتبع الرسول الكريم وكلّما سمعه يتلو القرآن، يجلس على إثره ويحدّث الناس بأخبار الملوك وقصص الفرس والهند ثم يقول: بالله أيّنا أحسن قصصنا؟ أنا او محمد؟.
ولقد أسره المقداد بن الأسودَ يوم بدر، وأمر النبيُّ ﷺ بقتله.
﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ اذكر أيّها النبيّ كيف ذهبوا في الكفر والعناد الى ان قالوا، موجِّهين النداء الى ربهم: اللهمّ إن كان هذا القرآن وما يدعو اليه محمد هو الحقّ فاجعلْ السماء تمطر علينا حجارة، او أنزلْ علينا عذاباً شديدا.
وما كان من حكمة الله ورحمته ان يعذّبهم في الدنيا بعذاب شديد وانت فيهم تدعو الى الحقّ راجياً إجابتهم له، وما كان من شأنه ان يعذّب العصاة وهم يتسغفرونه، وسلمون ويرجعون عما هم فيه.
﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ الله﴾.
وما لهم لا يعذبهم الله وحالُهم القائمة الآن تسوّغ تعذيبَهم، لأنهم يمنعون المسلمين من دخول المسجد الحرام، وما كانوا مستحقّين للولاية عليه لشرِكهم، وعملِ المفاسد فيه.
﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ المتقون﴾ أن أولياءه الحقيقيين هم المؤمنون الطائعون لله، ولكنّ أكثرَ المشرِكين لا يعلمون حقيقة الدين، ولا مقام ذلك البيت الكريم.
﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ وما كانت صلاة المشركين وطوافهم في البيت الحرام إلا من قبيل اللهو واللعب، فكانوا يطوفون رجالاً ونساءً عراةً يصفرون بأفواههم ويصفّقون.
﴿فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ذوقوا عذابَ القتلِ لبعض كُبرائكم والأسرِ للآخرين منهم، وانهزمَ الباقين مدحورين يوم بدرٍ بسببِ كفركم.
قال بعض العلماء ان الآيات من رقم ٣٠ الى ٣٦ مكيّة، وذلك لأنها تتحدث عن سورة الهجرة وما كان يجري بمكة من أفعالِ مشركي قريش، وهذا وهمٌ غير صحيح، اذ ان سورة الأنفال كلّها مدنية، أما ما جاء ي هذه الآيات فهو لتسلية الرسول الكريم، وللعِبرة والذكرى.
يركمُه: يجعل بعضه فوق بضه.
لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجع فلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بقافلته- مشى رجال أصيب آباؤهم وأبناؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلَّموا أبا سفيان، ومن كانت له في تلك القافلة تجارة، قاولا: يا معشر قريش، إنَّ محمداً قد رزأكم، وقتل خِياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنّا ندرك منه ثأراً بمن أُصيب منا. ففعلوا، وجمعوا ما استطاعوا من المال، وموّلوا به غزوة أحد فنزلت فيهم.
إن هؤلاء الكفار الذي جحدوا آيات الله وأشركوا به، ينفقون أموالهم ليمنعوا الناس عن الإيمان بالله واتّباع رسوله.. انهم سينفقون هذه الأموال لتكون حسرة عليهم، ولن تفيدهم شيئا، وسيُغلَبون في ساحة القتال في الدنيا ثم يساقون يوم القيامة إلى جهنّم وستكون تلك هي الحسرة الكبرى لهم.
وليس ما حدَثَ قبل بدرٍ وبعدها إلا أنموذجاً من الأسلوب التقليدي لأعداء هذا الدين وقد استمرَ العداء منذ فجر الدعوة ولا يزال، ومن الشرق والغرب، فلم يتركوا وسيلة إلا اتخذوها ليهاجموا الإسلام والمسلمين، واللهُ سبحانه وتعالى حفظ هذا الدين، وسيُبقيهِ عاليا الى أن يرِث الأرضَ ومن عليها.
﴿لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب﴾ لقد كتب تعالى النصر لعبادة المتقين والخذلان والحسرة لمن يعاديهم من الكفار، ليميز الكفرَ من الايمان، والحق والعدل من الجور والطغيان، وليجعل الخبيث بعضهَ فوق بعض، ثم يجعل أصحابه في جهنم، وهم الخاسرون في الدنيا والآخرة.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: «لِيُمَيِّز» بالتشديد والباقون لِيَميزَ كما هو في المصحف.
﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ﴾ ان باب الرجاء مفتوح في الاسم دائما، والفرصة أمامهم سانحة لينهوا عَمَّا هم فيه من الصدّ عن سبيل الله، وليتوبوا ويرجعوا الى الله، والله واسع المغفرة يغفر ما سبق من اعمالهم، والإسلام يجُبُّ ما قبله. أما إذا عادوا بد هذا البيان الى كفرهم، فإن سنّة الله في الأولين قد مضت، وهي ان يعذب المكذّبين، ويهب أولياءه النصر والعزّ التزموا بأوامر الشرع.
ويتجه الحديث الى المؤمنين:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
استمِروا أيها المؤمنون في قتال المشركين حتى تزول الفتنةُ في الدين، ويمتنعوا عن إفسادهم لعقائد المؤمنين بالاضطهاد والأذى، فإن رجعوا عن الكفر وخلَصَ الدين لله، فإن الله تعالى عليمٌ بأعمالهم ومُجازيهم على ما فعلوا.
﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير﴾.
وإن استمرّوا على إعراضهم وإيذائهم للمؤمنينَ بعدَ بيان الرسول فاثبتُوا لهم أيّها المسلمون، واعلموا أنكم في وَلاية الله، وهو ناصرُكم عليهم، وحافظُكم منهم، وهو خير الحافظين.
وما غُلب المسلمون في هذه الأيام وذهَبَت أرضُهم إلا لنهم تركوا الاهتداء بهدي دينهم، وتركوا الاستعداد المادّي والحربيّ الذي طلبه بقوله: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] وتفرَّقوا دولاً كثيرة فذهبتْ ريحُهم وقلّتْ هيبتُهم وغُلبوا على أمرهم.
نسأل الله تعالى ان يوفقنا جميعا الى ما يحبّه ويرضاه، ويجمع شتاتنا على الخير والهدى فنعود صفّاً واحدا، ونعيد مقدّساتنا إلى حظيرة الإسلام، إنه نعم المولى ونعم النصير.
الغُنم والمغنم والغنيمة: ما يناله الإنسان في الحرب من أموال الأعداء. يوم الفرقان: يوم بدر.
اعملوا أيها المؤمنون ان حُكم كل ما غنمتموه من الأعداء المحاربين ان يُقسم خمسة أخماس: خمس منها لله وللرسول ولقرابته، واليتامى، وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم وهم فقراء، والمساكين، وهم ذوو الحاجة من المسلمين، وابن السبيل، وهم المنقطع في سفره ويُنفق من هذا المخصص لله وللرسول في المصالح العامة التي يقررها الرسول في حياته، ويقرّرها الإمامُ بعد وفاته، وباقي الخمس يصرف للمذكورين آنفا. وأما الأخماس الأربعة الباقية من الغنيمة، فهي للمقاتلين.
وقرابة النبي ﷺ هم بنو هاشم وبنو المطّلب، دون بني عبد شمس ونوفل.
روى البخاري عن مطعم بن جبير (من بني نوفل) قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان (من بين عبد شمس) إلى الرسول فقلنا: يا رسول الله، أعطيتَ بني المطّلب وتركتَنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال الرسول الكريم: (إنما بنو المطّلب وبنو هاشم واحِد).
والسر في هذا ان قريشاً لما حصَرت بني هاشم في الشِعب وقاطعتهم دخَلَ معهم فيه بنو المطلب، ولم يدخل بنو عبد شمس ولا بنو نوفل.
والحكمة في تقسيم الخُمس على هذا النحو، أن الدولة التي تدير سياسة الأمة لا بدَّ لها من المال لتستعين به على القيام بالمصالح العامة، كشعائر الدين والدفاع عن الأمة، وهو ما جُعل لِلّه في هذه الآية، ثم ان هناك نفقة رئيس حكومتها وهو سهمُ الرسول فيها، ثم لِذوي القربى وذوي الحاجات من ضعفاء الأمة.
ولا يزال هذا الاعتبار معمولاً به في كثير من الدول مع اختلاف شئون المجتمع والمصالح العامة، فالمالُ الذي رُصد للمصالح العامة يدخل في موازنة الوزارات المختلفة ما بين مصروفات علنية وسرّية، ولا سيما الأمور الحربية. وكذلك راتبُ رأس الدولة من ملكٍ او رئيس جمهورية، منه ما هو خاصٌ بشخصه، ومنه ما هو لأُسرته وعياله. ومن موازنة الدولة ما يُبذل لإعانة، الجمعيات الخيرية والعِلمية غيرها.
وعند الشيعة تفسيرٌ للغنيمة أعمُّ مما عند السنّة، كما أنهم اختلفوا عنهم في تقسيم الخمس، فقالوا: يُقسم الخُمس الى قسمين: الأول منها ثلاثة اسهم: سهمٌ لله، وسهم لرسوله، وسهم لذوي قرباه. وما كان لله فهو للرسول، وما كان للرسول فهو لقرابته، ووليُّ القرابة بعد النبي هو الإمام المعصوم القائم مقام النبي، فان وُجد أعطي له، وإلا وجَب إنفاقه في المصالح الدينية، وأهمُّها الدعوةُ الى الإسلام، والعملُ على نشره وإعزازه.
أما القسم الثاني فهو ثلاثة أسهم: سهم لأيتام آل محمد، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء السبيل خاصة، لا يشاركهم فيه أحد لأن الله حرّم عليهم الصَدقات فعوّضهم عنها بالخمس.
فاعلموا ذلك أيها المسلمون، واعملوا به كنتم آمنتم بالله حقا، وآمنتم بما أَنزلْنا على عبدنا محمد يوم الفرقان من آيات التثبيت والمدد، وهو اليوم الذي التقى فيه جمعكم وجمع الكافرين ببدر.
﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومن عظيم قدرته ان نصَركم على قلتكم وضعفكم، وخذل الكافرين مع كثرتهم.
العدوة: جانب الوادي ويجوز في العين الفتح والضم والكسر. القُصْوى: مؤنث الأقصى ومعناها البعيدة. البينة: الحجة الظاهرة. ذات الصدور: ما يدور في النفس من أفكار.
اذكروا حين كنتم في موقعة بدر بالجانب الأقرب إلى المدينة، وكفار قريش في أبعدِ الجانبين، والقافلةُ التي خرجتم تطلبونها أقربُ إليكم مما يلي البحر، ولو تواعدتُم على التلاقي للقتال لما اتّفقتم عليه، ولكن الله دبَّر تلاقيكم على غير موعد، لينفِّذ أمراً كان ثابتاً في علمه انه واقع لا محالة، وهو القتال المؤدي الى نصركم وهزيمتهم.
﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾ ليهلك الهالكون من كفار قريش عن حجَّة ظاهرة، وهي هزيمة الكثرة الكافرة ويحيا المؤمنون من حجّة بينة، وهي نصر الله للقلة المؤمنة، إن الله لَسميع عليم لا يخفى عليه شيء من أقوال الفريقين ولا نيّاتهم.
قراءات:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «بالعِدوَة» بكسر العين والباقون بالضم.
اذكر أيها الرسول حين تفضّل الله عليك، فأراك في منامك جيشَ الأعداء في قلة. كان ذلك ليُظمئنكم أنكم ستغلبونهم، فتثبتوا أمام جمعهم حين يلتقون، ولو ترككم تروْنهم كثيراً، دون ان يثبتكم بهذه الرؤيا - لخِفتم منهم ولتردَّدتم في قتالهم. ولكن الله سلَّم أصحابك يا محمد من ذلك ونجّاهم من عواقبه، إنه عليم بما تخفيه الصدور من شعور الجبن والجزع الذي تضيق به فيُحجم أصحابها عن القتال.
اذكر أيها الرسول أيضًا كيف كان الله يريكم أعداءكم قلّة عند التلاقي ليشد من عزمكم، وتقاتلوهم بجرأة وثبات، كما يُظهركم في أعينهم قلّة، زيادةً في الغرور بكثرتهم حتى قال أبو جهل: غنما أصحاب محمد أكلة جزور، يعني يكفيهم جزور واحد لقلّتهم. وذلك ليتم أمرٌ علمه الله، وكان لا بد ان يتم. والى الله ترجع الأمور كلها فلا ينفُذُ إلا ما قضاه وهيّأ أسباب بعدْله وحكمته.
تفشلوا: تجبنوا وتضعفوا. تذهب ريحكم: تذهب قوتكم وهيبتكم. البطر: إظهار الفخر، والطغيان في النعمة. رياء: نكَص: جرع، تولى إلى الوراء. الذين في قلوبهم مرض: ضعاف الإيمان.
هذا هو النداء السادس: يؤكد ما تضمّنته النداءات السابقة من مبادئ وأُسسٍ ضرورية للحصول على النصر، وفيه يأمر الله المؤمنين بالتزام الفضائل والأخلاق التي لا بد من التحلي بها ساعةَ اللقاء في الحرب.
وأوّلها الثباتُ أمام الأعداء، ثم ذِكر الله بالقلب واللسان، واستحضارُ ثم طاعةُ الله والرسول، فكلّ مخالفةٍ تؤخر النصر، وتفتح ثغرة للعدوّ. ثم يؤكد ذلك كله بتحذير يسد به نافذةً خطِرة يهبُّ منها والفساد، هي نافذة التنازع والاختلاف فيما بينهم، مما يؤدي الى الفشل وذهاب القوة هذه قاعدة مطّردة من قواعد الاجتماع، وسنّة ثابتة من سنن الله. وهذا ما هو حاصل في مجتمعنا العربي، وهو داؤنا الّذي يفتّت قوانا ويجعل العدو يعيش ويتوسّع.
يا أيها الّذين آمنوا إذا لقيتم فئةً من أعدائكم فاثبُتوا، وأكثِروا من ذِكر الله مستحضِرين عظمته وحسن وعده بنصركم. إن الثباتَ وذِكر الله هما وسيلتان من وسائل الفوز والنصر.
وأطيعوا الله ورسوله فيما أُمرتم به او نُهيتم عنه، وتجنّبوا التنازعَ والاختلاف فيما بينكم، فإن ذلك من اكبر أسباب الفشل والخيبة. واصبِروا على الشدائد وما تلقَون من مكارِه الحرب من بأس العدوّ واستعداده وكثرة عدده، فإن الله مع الصابرين يمدُّهم بالعَون والتأييد... ومَن كان الله معه غالب له.
﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس﴾ ولا تكونوا كأعدائكم المشرِكين الذين خرجوا من ديارهم في مكة مغرورين بَطِرين، متظاهرين أمام الناس رياءً يريدون الثناء عليهم بالشجاعة.
﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ والله عليم بما جاءوا من أجله، عالِم بأعمالهم، وسوف يجازيهم عليها في الدنيا والآخرة.
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ اذكر أيّها الرسول للمؤمنين كيف زيّن الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوستِه، قائلا لهم إنه لا أحدّ من الناس يغلبهُم، لأنه هو مجيرٌ لهم، فلما تقابلَ الفريقان في الحرب نكص على عقِبيه وهرب وتبرّأ منهم. لقد خاف أن يُهلكه الله، واللهُ شديد العقاب على الذنوب.
﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ اذكر يا محمد ماذا كان يقول المنافقون من الكفّار، وضعفاء الإيمان عند رؤيتكم في إقدامكم وثباتكم: لقد غرَّ هؤلاء المسلمين دينهم.
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ومن يكِل أمهر إلى الله ويؤمن إيماناً خالصاً فان الله يكفيه ما أهمَّه، ويصره على أعدائه، فهو العزيز الغالب، والحكيم الذي يضع كل أمر في موضعه.
أدبارهم: ظهورهم. عذاب الحريق: عذاب النار في الآخرة كدأب: كعادة.
بعد ان بيّن الله تعالى حال هؤلاء الكفار في خروجهم إلى قتال المؤمنين بَطَراً ورياءً، وتزيينَ الشيطان لهم أعمالَهم - قفّى على ذلك بذِكر أحوالهم حين موتهم وبيان العذاب الذي ينالونه عندئذٍ ثم ذكر ان الملائكة تأخذ الذين كفروا بالتعذيب والتأنيب حين يقبضون أرواحهم بصورة منكرة، ويؤذونهم أذى مهينا، جزاء على البطر وإلاستكبار. ويذكر في أثناء هذا العرض ان أخْذ الكفار بتكذيبهم سنّةٌ ماضية. وانه كذلك أخَذ فرعون.
ولو ترى أيها الرسول ذلك الهول الخطير ينزل بهؤلاء الكفار حين تتوفاهم الملائكة لرأيتهم يضربون وجوههم وظهورهم، ويقولون لم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذّبون.
قراءاتك
قرأ ابن عامر: «اذ تتوفَّى» بتاءين. والباقون: «يَتَوفى» بالياء.
ان الله لا يظلم أحداً من عبيده، فلا يعذّب الا بما عمل من سوء.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾.
ان الله تعالى لا يترك الناس سُدى، وإنما هي سنّته يمضي بها قدَرُه، وليس فعل هؤلاء المشركين من قريش الذين قُتلوا ببدر وما أصابهم الا ما يصيب المشركين في كل زمان. لقد أصاب مثلُه آل فرعون والذين من قبلهم من الأمم الخالية، وقد آتاهم الله من نعمته، وزرقهم من ففضله، ومكن لهم في الأرض، وجعلهم خلائف فيها، فطغَوا وبغَوا وتجبروا، وجاءتهم آيات الله فكفروا بها، فحقَّت عليهم كلمة ربك، وأخذَهم بالعذاب.
﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب﴾ لا يغلبه غالب، شديد المجازاة لمن يستحقه عقابه.
روى مسلم في صحيحه عن أبي ذرّ رضي الله عنهـ عن رسول الله ﷺ قال: «ان الله تعالى يقول: إني حرّمت الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تَظالموا، يا عبادي انما هي أعمالكم أُحصيها لكم، فمن وجَد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ الا نفسه» والحديث طويل نفيس.
﴿ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
ذلك، أي الذي ذُكر من أخْذه لقريش بكفرهم بنعم الله لقد كذّبوا رسوله وأخرجوه من دياره وحاربوه، ففعل الله بهم كما فعل بالأمم من قبلهم ولقد جرت سنّة الله ان لا يغيرّ نعمة أنعمها على قوم، كنعمة الأمن والرخاء والعافية، حتى يغيروا ما بأنفسِهم. وهذا عدل في الجزاء.
﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لما يقولون عليم بما يفعلون.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾.
هنا كرر قضية آل فرعون فقد كانت المرة الأولى لبيان كفرهم فأخذَهم بالعذاب، أما الثانية فهي أن حال هؤلاء كحال آل فرعون والذين من قبلهم في تغيير النعم.
وكما أن دأْب هؤلاء الكفار في الإنكار لآيات الله ونعمه كدأب آل فرعون والذين من قبلهم- فان دأبهم أيضًا الاستمرار على التكذيب برسله، مثل آل فرعون والذين من قبلهم - من ثم كان الشبه بينهم في الكفر بالآيات وجحود رسالة الرسل، وفي الاستمرار على ذلك. لهذا أخذ الله الجميع بذنوبهم: أولئك بالصواعق والرياح ونحوها، وآل فرعون بالغرق، وكلهم كانوا ظالمين، فاستحقوا ما نزل بهم من العقاب.
الدواب: كل ما دبّ على وجه الأرض، وغلب على ذوات الأربع من الحيوان، وشبه الله تعإلى الكواب. فأما تثقفنَّهم: تدركهم وتظفر بهم فشرِّد بهم. أبعدهم ونكل بهم. من خلفهم: كفار مكة وأعوانهم من مشركي القبائل الموالية لهم. النبذ: الطرح. رباط الخيل: حبسها على الجهاد واقتناؤها. جنحوا: مالوا. السلم: بفتح السين وكسرها، ضد الحرب.
لما قدم النبي ﷺ الى المدينة صار الكفار معه أقساماً ثلاثة: قسماً صالحهم ووادعهم على ان لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا عليه عدوَّه، وهم على كفرهم آمنوا على دمائهم وأموالهم وقسماً حاربوه ونصبوا له العداوة. وقسماً تركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه.
ثم من هؤلاء من كان يحبّ انتصار الرسول في الباطن، ومنهم من كان يحب أنصار المشركين، ومنهم من دخل معه في الظاهر، وهو مع عدوه في الباطن ليأمن الفريقين. هؤلاء هم المنافقون وقد عامل الرسول كا طائفة من هذه الطوائف بما أمره به الله.
وكان من بين من صالحهم ووادعهم طوائف اليهود الثلاث المقيمين حول المدينة، وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. كما كان من بينهم قبائل من المشركين مجاورة للمدينة.
وقد ورت روايات متعددة في المقصودين بهذا النص، قيل: انهم بنو قريظة، وقيل: انهم بنو النضير، وقيل: انهم بنو قينقاع، وقيل: انهم الاعتراب الذين كانوا حول المدينة من المشركين. وقد نقض اليهود عهودهم مع رسول الله اكثر من مرة، كما تكرر نقض المشركين من العرب لعهودهم. والمهم ان نعلم ان هذه النصوص تتحدث عن حالةٍ واقعةٍ قبل بدرٍ وبعدها.
﴿إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ان شر ما يدبّ على وجه الأرض عند الله في حُكمه وعدله هم الكفار المصرّون على كفرهم، الذي عقدتَ معهم العهود والمواثيق، ولا يزالون ينقضونها مرة بعد مرة. وقد تكرر ذلك من اليهود، فقد روي عن ابن عباس ان المقصودين بنو قريظة... نقضوا عهد رسول الله، وأعانوا عليه بالسلاح في يوم بدر، ثم قالوا نسينا وأخطأنا. فعاهدهم مرة ثانية فنقضوا العهد ومالأوا الكفار على رسول الله يوم الخندق. وقد ركب زعيمهم كعب بن الأشرف الى مكة فحالفهم على محاربة النبي ﷺ ﴿... وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾ اي لا يتقون الله في نقض العهد، ولا يردعهم عن ذلك خوف من نقمته وعذابه.
وبعد ان بين تعالى انهم قد تكرر منهم نقض العهد، ذكر ما يجب ان يعاملوا به قال:
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ فإن تدركْ أيها الرسول، هؤلاء الناقضين لعهدهم في الحرب ظافر بهم، فنكِّلْ بهم تنكيلا يسوءهم ويخيف مَنْ وراءهم من الاعداء، ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعل مَن خَلْفهم من الأعداء يذكرون ذلك النكال فيمنعهم من نقض العهد والقتال.
— 111 —
﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين﴾ ان الخيانة مبغوضة بجميع ضروبها، فأبعدوا عنها أيها المؤمنون.
روى البيهقي ان النبي ﷺ قال: «ثلاثةٌ المسلمُ والكافر فيهن سواء، من عاهدتَه فَوَفِّ بعهده، مسلماً كان او كافرا، فإنما العهد لله. ومن كانت بينك وبينه رحِم فصِلْها، مسلما كان او كافرا. ومن ائتمنك على أمانة فأدّها اليه، مسلما كان او كافرا».
وبعد هذا أنذر الله أولئك الخائنين مما سيحلّ بهم من عقاب فقال:
﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ سبقوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾ ولا يظن الذين كفروا انهم قد نجوا من جزاء خيانتهم وغدرهم، فهم لا يعجزون الله ولن يعجزوه، ولا يفوقونه في مكرهم أبدا، بل هو القادر وحده، وسيجزيهم بقوته وعدله.
قراءات:
قرأ ابن عامر وحمزة وحفص: «ولا يحسبَنَّ» بالياء والباقون: «ولا تحسبن» بالتاء، وقرأ ابن عامر «أنهم لا يعجزون» بفتح الهمزة، والباقون بكسرها.
بعد ذلك بيّن الله تعإلى ان الاستعداء بما فيه القدرة والطاقة فريضة تصاحب فريضة الجهاد، والاستعداد انفي للاعتداء.
﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ااستطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ أعدّوا يا معشر المسلمين لمواجهة أعدائكم ما ستطعتم من قوة حربيّة شاملة لجميع عتاد القتال، ومن المرابطين في الثغور وأطراف البلاد بِخَليهم، لتخيفوا بكل ذلك عدوَّ الله وعدوكم من الكفار المتربصين.
﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ﴾ وليخيفوا أيضا آخرين غير هؤلاء الأعداء، أنتم لا تعلمونهم الآن لكن الله يعلمهم، لأنه لا يخفى عليه شيء.
﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ ان الله يجزيكم جزاء وافيا، عن كل ما أنفقتم من شيء في سبيل إعداد القوة قاصدين به وجه الله، دون ان ينقصكم مثقال ذرة مما تستحقون.
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ وإن مالَ الأعدادُ المحاربون الى السلم، فاجنح لها أيها الرسول، فليست الحرب غرضاً مقصوداً لذاته عندك، إنما تقع دفعاً لعدوانهم وتحدّيهم لدعوتك، فاقبل السلم وتوكل على الله، ولا تخفّ كيدهم ومكرهم انه سبحانه هو السميع لما يتشاورون به، العليم بما يدبرون ويأتمرون.
قراءات:
قرأ أبو بكر: «للسّلِم» بكسر السين، والباقون بفتحها والمعنى واحد.
﴿وَإِن يريدوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين﴾.
وإن أراد من تظاهُرهم بالجنوح الى السلم الخداعَ بك، فان الله يكفيك أمرهم من كل وجه. وقد سبق له أن أيّدك بنصره، حين هيأ لك من الأسباب الظاهرة والخفية ما ثّبت به قلوب المؤمنين من المهاجرين والانصار، وجعلهم أمة واحدة متآلفة متعاونة على نصر الله ورسوله.
— 112 —
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ان الله تعالى جمعَ بينهم على المحّبة والإيمان بك، بعد التفرق والتعادي (دامت الحرب بين الأوْس والخَزْرج سنين عديدة، وكذلك بين مختلف قبائل العرب) فأصبحوا ملتفّين حولك، باذلين أموالهم وأرواحهم في سبيل دعوتك. ولو أنفقتَ جميع ما في الأرض من الأموال والمنافع، في سبيل هذا التأليف بين قلوبهم، لما أمكنك ان تصل اليه، لكنّ الله ألَّف بينهم، بقدرته، انه تعالى قوي غالب يدبر أمر العباد على مقتضى ما ينفعهم.
— 113 —
حسبك: كافيك، ما يهمك التحريض: الحث على الشيء. التخفيف: رفع المشقة الضعف: بألفتح والضم، ضد القوة.
يا أيها النبيّ إن الله كافٍ كلَّ ما يهمّك من أمر الاعداء، متكفل بك ومن اتبعك من المؤمنين.
فشجع المؤمنين على القتال لإعلاءِ كلمة الله، ورغِّبهم فيما وراء ذلك من خير الدنيا والآخرة. واعلم يا محمد أنه إن يوجد منكم عشرون معتصمون بالإيمان والصبر يغلبوا مئتين من الذين كفروا ذلك بأن الكافرين لا يدرِكون حقائق الأمور، فليس لهم إيمان ولا صبر ولا مطمع في ثواب.
﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يغلبوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين﴾.
ان واجبكم أيها لمؤمنون ان تصبروا على ملاقاة أعدائكم ولو كانوا عشرة أمثالكم، لكن الله قد خفف عنكم الآن فجعل عليكم ان تصبروا أمان مِثَلْيكم فقط، لعلمه ان فيكم ضعفاً يقتضي التيسير عليكم والترخيص لكم، فان يكن منكم مئةُ مجاهدٍ صابر يغلبوا مئتين من الكفار، وان يكن منكم الف يغلبوا ألفين بإرادة الله ومعونته، والله مع الصابرين.
قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر: «ان تكن» بالتاء في الآيتين. وقرأ عاصم وحمزة: «ضعْفاً» بفتح الضاد والباقون: «ضُعفاً» بضمها.
أسرى: جمع أسر وهو كل من يؤخذ من المحاربين. الإثخان: الشدة حتى يثخن في الأرض: يُكثر القتال ويبالغ فيه. عرض الدنيا: حطام الدنيا وما فيها من زخارف مسّكم: أصابكم.
لا يسوغ لأحد من الأنبياء ان يكون له أسرى يحتجزهم، أو يأخذ منهم الفِداء، او يمنّ عليهم بالعفو، حتى يتغلّب على أعدائه، ويُكثر القتل والجراح فيهم، فلا يستطيعوا قتإلا بعد ذلك، ولكنّكم أيها المؤمنون سارعتم في غزوة بدر الا اتخاذ الأسرى قبل الإكن في الأرض تريدون منافع الدنيا وحُطامَها، والله يريد لكم الآخرة.
﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز يَهَبُ العزة للمؤمنين وإن لم يكن لهم اسرى، وهو حيكم في تدبيره وأمره ونهيه.
قراءات:
قرأ أهل البصرة «ان تكون» بالتاء.
روى الإمام أحمد عن أنس قال: «استشار النبي ﷺ في الأسارى يوم بدر فقال: ان الله مكّنكم منهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله اضربْ أعناقهم. فأعرض عنه النبي، ثم عاد رسول الله لمقالته، إنما هم إخوانكم بالأمس وعاد عمر لمقالته، فأعرض عنه فقام أبو بكر الصدّيق فقال: يا رسول الله نرى ان تعفو عنهم، وان نقبل منهم الفداء؟ قال: فذهب عن وجه رسول الله ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم وقبل منهم الفداء».
وفي رواية ابن عباس عن عمر زيادة هي: فلما كان الغد جئتُ، فإذا رسول الله وأبو بكر يبكيان فقلت: يا رسولَ الله، أخبِرني من أي شيء تبكي انت وصاحبك... فقال رسول الله ﷺ: «أبكي على أصحابك من أخذِهم الفداءَ، لقد عرض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرة». فأنزل الله تعالى «وما كان لنبي....» الآية.
﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لولا حكمٌ سابق من الله بالعفو عن المجتهد المخطئ لأصابكم فيما أخذتم من الفِداء عذابٌ كبير بسبب ما تعجّلتم به.
بعد ان عاتبَهم الله على أخذ الفداء أباح لهم أكْل ما أخذوه، وعدَّه من جملة الغنائم التي أباحها لهم في أول السورة فقال:
﴿فَكُلُواْ مما غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً واتقوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كلوا مما غنمتم من الفداء حلالا لكم طيبا في نفسه لا خبث فيه، واتقوا الله ما كل أموركم، انه غفور لذنبكم السابق حين أخذتم الفداء.
ثم يخاطب الأسرى بكلام رقيق يُحْيي فيهم الرجاء، ويُشيع فيهم النور، ويؤملهم بحياة أكرم مما كانوا فيه، وكسبٍ أطيب مما فقوا من مال وديار، وبعد ذلك كلّه بالمغفرة والرحمة.
﴿يا أيها النبي قُل لِّمَن في أَيْدِيكُمْ مِّنَ الأسرى إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يا أيها النبي قل للأسرى الّذين أخذتم منهم الفداء: ان يكن في قلوبكم خير يعلمه الله فسيُخلِفُ لكم خيراً مما أخذه المؤمنون منكم ويغفر لكم ما كان من الشرك والسيئات.
— 115 —
ان الله غفور لمن تاب من كفره وذنوبه، رحيم بالمؤمنين يشملهم بعنايته وتوفيقه.
قراءات:
قرأ أبو عمرو: «من الأسارى» والباقون: «من الأَسرى».
وفي الوقت الذي يفتح الله للأسارى باب الرجاء، يحذرهم خيانة الرسول- ﷺ - كما خانوا الله من قبل فلاقوا هذا المصير.
﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ الله مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وان يردوا خيانتك بما يظهر بعضهم من الميل إلى الإسلام مع انطواء صدورهم على قصد مخادعتك بهذا الميل فلا تبتئس، فقد خانوا الله من قبل باتخاذ الأنداد والشركاء لله والكفر بنعمته، فامكن منهم اذ نصرك في بدر مع قلة عَددكم وعُددكم، وكثرتهم، والله قوي غالب متصرف بحكمته، يعلم ما ينونه وما يستحقونه من عقاب.
— 116 —
الهجرة: مفارقة بلدٍ إلى غيره، فان كانت قُرْبةً إلى الله فهي الهجرة الشرعية.
آواه: اسكنه.
قسم الله المؤمنين أربعة أقسام وبيّن حُكم كل منها ومنزلته من بينها:
١- المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى قبل غزوة بدر الى صلح الحديبية.
٢- الأنصار الذين كانوا بالمدينة وآووا النبي ﷺ والمهاجرين من أصحابه عند الهجرة.
٣- المؤمنون الذين لم يهجروا.
٤- المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية.
١- ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله﴾ هؤلاء هم الكَمَلَة المؤمنون الذين هجروا أوطانهم فِراراً بدِينهم من فتنة المشركين، وإرضاء لربهم ونصراً لرسوله، ثم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.
٢- ﴿والذين آوَواْ ونصروا﴾ والأنصار من أهل المدينة الذي آووا الرسول الكريم ومن هاجر من اصحابه ونصروهم، وأمّنوهم من المخاوف، وشاركوهم في أمالهم حتى لآثروهم على انفسهم - فحُكمهم حكم المهاجرين الأولين ﴿أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ بعضهم نصراء بعض في تأييد الحق وإعلاء كلمة الله على الحق.
٣- ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ والذين لم يهاجروا من المؤمنين، لا يثبت لهم شيءٌ من ولاية المؤمنين ونصرتهم، اذ لا سبيل إلى وَلايتهم حتى يهاجروا.
﴿وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ وان طلبوا منكم النصر على من اضطهدوهم في الدّين، فانصرُوهم، فإن طلبوا النصر على قوم معاهِدين لكم، لم ينقضوا الميثاق معكم فلا تجيبوهم.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء.
قراءات:
قرأ حمزة: «ولايتهم» بكسر الواو، والباقون بفتحها.
وبهذه المحافظة على العهود والمواثيق سِراً وجهراً امتازت الشريعة الإسلامية على غيرها، فشعارُ أهل الإسلام الوفاءُ بالعهود، والبعد عن الخيانة والغدر.
﴿ (*) والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ إن الكفار على اختلاف شِيعِهم بعضُهم يوالي بعضاً وينصره ضد الإسلام. قد كان اليهود والمنافقون ومشركو العرب كتلةً واحدة متفقين على محاربة الاسلام والمسلمين. وهذا ما يحصل اليوم... جاء اليهود الى بلادنا واحتلّوا قسماً منها بمساعدة النصارى في جميع أقطار الارض، وقد اتفق على ذلك جميع الأوربيين والأمريكان، كلُّهم مجتمِعون متفقون على حمايةِ اليهود ومساعدتهم ضد الإسلام والمسلمين.
﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ إن لم تفعلوا ما شُرع لكم من ولاية بعضكم لبعض، ومن تناصرُكم وتعاونكم تجاه وَلاية الكفّار بعضُهم لبعض، يقع من المفتنة والفساد ما فيه أعظمُ الضرر عليكم، بتخاذلكم الذي يُفضي الى ظفر الأعداء بكم وسلبكم بلادكم. وهذا ما هو حاصل اليوم من تكتّل الأعداء ضدّنا، ونحن متمزقون في عدة دول وامارات، يحارب بعضنا بعضاً والعدو يسرح ويرتع في بلادنا.
— 117 —
﴿والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
يبين الله تعإلى في هذه الآية ميزةَ المهاجرين والأنصار وفضلهم على غيرهم، ويذكر ان هؤلاء المهاجرين وأنصار هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله، فلهم مغفرة تامة من ربهم ورزق كريم في الدنيا والآخرة.
٤- ﴿والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ﴾.
والذين تأخر إيمانهم وهجرتُهم عن الهجرة الاولى، لكنهم هاجروا وجاهدوا معكم أعداءكم لاحقاً، فأولئك منكم أيها المهاجرون والانصار، لهم من الولاية والحقوق ما لبعضكم على بعض، وفي هذا دليل على فضل السابقين على اللاحقين كما جاء في قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ سورة الحديد.
﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ وذوو القرابة من المؤمنون أولى من غيرِهم بالبر من المؤمنون أولى من غيرِهم بالبر والنصر والإحسان كما جاء في كتاب الله الكريم، فاتبعوه وتقيدوا به. فهو سبحانه إنما شرع لنا هذه الأحكام في الولاية العامة والخاصة والعهود والمواثيق وصِلة الأرحام وغير ذلك من التشريع، وهو على علم واسع محيط بكل شيء.
وقد استدل الشيعة بهذه الآية عل ان من كان أقربَ إلى الميّت نَسباً فهو أولى بميراثه من الأبعد، فبِنتُ الميت تحجب أخاه عن الإرث لأنها اقرب منه الى الميت، وأخته تحجب عَمَّهُ لنفس السبب. وهكذا يحجب عندَهم الأقربُ الأبعدَ من جميع المراتب.
— 118 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

17 مقطع من التفسير