تفسير سورة سورة الممتحنة

أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أو الثعالبي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن

أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أو الثعالبي (ت 427 هـ)

الناشر

دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان

الطبعة

الأولى 1422، ه - 2002 م

عدد الأجزاء

10

المحقق

الإمام أبي محمد بن عاشور

نبذة عن الكتاب

يعد من التفاسير المتقدمة الجامعة بين المأثور والمعقول. وقد نقل منه العلماء واستفادوا منه، كما أن هذا الكتاب حققه جمع من الرافضة، والسبب في ذلك أنه مكثر من ذكر فضائل علي بن أبي طالب، وقد اعتمد الحلي في كتابه (منهاج الكرامة) على مثل تفسير الثعلبي في نقل بعض الفضائل المزعومة لـعلي، وإلا فـعلي رضي الله عنه له فضائل معروفة مشهورة، ولا نحتاج فيها إلى مثل هذه النقول المتهافتة.
فحقق الكتاب في دار إحياء التراث العربي، ولكن للأسف أن هذا تحقيق رافضي، ليس لهم خبرة بأسانيد الكتاب، ولا خبرة بأعلام أهل السنة، حتى إن المؤرِّج، بالجيم، وجدت في كل ما وقعت عليه في الكتاب (المؤرخ) بالخاء، فإذا كان المؤرج من علماء اللغة المشهورين، صار المؤرخ؛ فمن باب أولى أن يقع في كتابه تحريفات أخرى، فضلًا أيضًا عن بعض التعليقات التي تنمّ عن رافضية هؤلاء، وخاصة فيما يتعلق بالفضائل المزعومة لـعلي حيث حشوا الكتاب في بعض هذه القضايا، وحشوه أيضًا ببعض مصادرهم التي لا يعرفها إلا من كان له خبرة بكتب هؤلاء القوم.
  • بدأه المؤلف بمقدمة حافلة، نافعة جدًا، ومفيدة للمتخصصين، ففيها معلومات فريدة، تتعلق بتاريخ التفسير، وبكتب التفسير، وكذلك ببعض الكتب المفقودة من كتب اللغويين الذين شاركوا في علم التفسير، حيث ذكر أصناف الذين ألفوا في التفسير، وقسم أصناف الذين ألفوا في التفسير قبله.
  • امتاز الكتاب بميزات عديدة في مصادره، منها: كثرة مصادره وتنوعها، ومنها: كثرة التفسير المأثور عن السلف، وإن كان فيه إشكال من جهة الإسناد، ومنها: نقل المؤلف عن كتب المفقودة بالنسبة لنا، كالمؤرج.
  • من سلبيات الكتاب أنه يروي الموضوعات والأباطيل في التفسير والمرويات الحديثية الخاصة بفضائل السور، كذلك نقل عن بعض أهل البدع وعن الصوفية؛ لأنه نقل من كتـاب حقائق التفســـير لأبي عبـــد الـــرحمن الســـلمي، ولا يميز بين الصحيح والضعيف.
ومــع ذلــك كــان كمــا يقــول شــيخ الإســلام: (فيــه خــير وديــن)، وهذا من إنزال الناس منــــازلهم، فــــلا يلــــزم مــــن كلامنــــا عــــن كتــــاب وبيــــان خطئــــه؛ أن نــــذم صــــاحبه ونهضــــمه حقــــه، والإنصاف عزيز-كما قيل-.

مقدمة التفسير
مدنية، وهي ألف وخمسمائة وعشرة أحرف، وثلثمائة وثماني وأربعون كلمة، وثلاثة عشر آية.
أخبرنا الجباري قال : حدّثنا ابن حيان قال : أخبرنا الفرقدي قال : حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال : حدّثنا يوسف بن عطية قال : حدّثنا هارون بن كثير قال : حدثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أُبيّ ابن كعب قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ( من قرأ سورة الممتحنة كان المؤمنون والمؤمنات له شفعاء يوم القيامة ).
سورة الممتحنة
مدنية، وهي ألف وخمسمائة وعشرة أحرف، وثلاثمائة وثماني وأربعون كلمة، وثلاثة عشر آية
أخبرنا الجباري قال: حدّثنا ابن حيان قال: أخبرنا الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطية قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ ابن كعب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من قرأ سورة الممتحنة كان المؤمنون والمؤمنات له شفعاء يوم القيامة» [٢٧٠] «١».

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١ الى ١١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)
(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٤٣.
— 290 —
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك
أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مكة الى المدينة بعد بدر بسنتين ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم تجهز لفتح مكة فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أمسلمة جئت؟» قالت: لا، قال: «أمهاجرة جئت؟» قالت: لا، قال: «فما جاء بك؟» قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي واحتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، فقال لها: «فأين أنت من شباب مكة؟» [٢٧١] «١» - وكانت مغنية نائحة-.
قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحثّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليها بني عبد المطلب وبني المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى فكتب معها الى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير، هذه رواية باذان عن أبن عباس، وقال مقاتل بن حيان: أعطاها عشرة دراهم، قالوا: وكساها بردا علم أن يوصل الكتاب الى أهل مكة، وكتب في الكتاب: (من حاطب بن أبي بلتعة الى أهل مكة، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يريدكم فخذوا حذركم) فخرجت سارة ونزل جبرائيل فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم بما فعل، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليّا وعمّار وعمر والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مريد وكانوا كلهم فرسانا، وقال لهم:
«انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فأن بها ظعينة معها كتاب من حاطب الى المشركين فخذوه منها وخلّوا سبيلها، وأن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها».
قال: فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب، فحثوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا فهمّوا بالرجوع فقال علي رضي الله عنه والله ما كذبنا ولا كذّبنا وسلّ سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلّا والله جرّدنّك ولأضربنّ عنقك. فلما رأت الجد أخرجت من ذؤابتها قد خبأتها في شعرها، فخلّوا سبيلها ولم يعترضوا لها ولا لمن معها ورجعوا بالكتاب الى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الى حاطب فأتاه، فقال له: «هل تعرف الكتاب؟» قال: نعم، قال: «فما حملك على ما صنعت» ؟
فقال: يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أجبتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت عزيزا فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أنّ الله
(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٥١، زاد المسير: ٨/ ٢.
— 291 —
ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا. فصدّقه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعذره، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «وما يدريك يا عمر لعلّ الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» [٢٧٢] «١».
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن غالب قال:
حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا ليث عن أبي الدنير عن جابر أن عبدا لحاطب جاء يشتكي حاطبا الى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كذبت، لا يدخلها أبدا لأنه شهد بدرا والحديبية» [٢٧٣] «٢».
وأنزل الله سبحانه في شأن حاطب ومكاتبته المشركين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أي المودة، والباء صلة، كقول القائل: أريد أن أذهب، وأريد بأن أذهب، قال الله سبحانه وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ «٣» أي إلحادا بِظُلْمٍ ومنه قول الشاعر:
فلما رجت بالشرب هزّ لها العصا... شحيح له عند الازاء نهيم «٤»
أي رجت الشرب.
وَقَدْ واو الحال كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة أَنْ تُؤْمِنُوا أي لأن آمنتم بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ في الكلام تقديم وتأخير، نظم الآية: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ... إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يروكم ويظهروا عليكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بالشتم وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ فلا تناصحوهم فإنّهم لا يناصحوكم ولا يوادونكم.
لن ينفعكم يقول لا تدعونّكم قرابتكم وأولادكم التي بمكة الى خيانة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم ومظاهرتهم فلن ينفعكم أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ التي عصيتم الله سبحانه لأجلهم يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، ويدخل أهل معصيته والكفر به النار.
(١) جامع البيان للطبري: ٢٨/ ٧٥، تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٦٩.
(٢) كنز العمّال: ١٠/ ٤٠١، ح ٢٩٩٦٠.
(٣) سورة الحج: ٢٥.
(٤) جامع البيان للطبري: ٢٨/ ٧٣.
— 292 —
واختلف القرّاء في قوله: يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ فقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتح الياء وكسر الصاد مخففا، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضمّ الياء وكسر الصاد مشددا، وقرأ ابن عامر والأعرج بضم الياء وفتح الصاد وتشديده، وقرأ طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد والتشديد، وقرأ أبو حيوة يُفْصِلُ من أفصل يفصل، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الصاد مخففا من الفصل.
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدّثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد عن تميم الداري أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّما الدين النصيحة» ثلاثا، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» [٢٧٤] «١».
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ قدوة حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ خليل الرحمن وَالَّذِينَ مَعَهُ من أهل الإيمان إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ المشركين إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ جمع بريء، وقراءة العامة على وزن فعلا غير مجز، وقرأ عيسى بن عمر بِراءٌ بكسر الباء، على وزن فعال مثل قصير وقصار وطويل وطوال وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ أي جحدنا بكم وأنكرنا دينكم وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ يعني قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في قوله: لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أن عصيته نهوا أن يتأسوا في هذه خاصة بإبراهيم فيستغفروا للمشركين، ثم بيّن عذره في سورة التوبة.
وفي هذه الآية دلالة بيّنة على تفضيل نبيّنا وذلك أنه حين أمر بالاقتداء به أمر على الإطلاق ولم يستثن فقال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وحين أمر بالاقتداء بإبراهيم استثنى.
رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا [هذا قول] «٢» إبراهيم ومن معه من المؤمنين.
وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ يعني في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فلما نزلت هذه الآية عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين في الله وأظهروا لهم العداوة والبراءة فعلم سبحانه شدّة وجد المؤمنين بذلك فأنزل الله سبحانه: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ أيها المؤمنون وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ من مشركي مكّة مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يفعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم فصاروا لهم أولياء وإخوانا وخالطوهم وناكحوهم
وتزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أم حبيبة
(١) كنز العمّال: ٣/ ٤١٢، ح ٧١٩٧، سنن الدارمي: ٢/ ٣١١.
(٢) العبارة في المخطوط مطمسة والظاهر ما أثبتناه وفي تفسير القرطبي: (١٨/ ٥٧) هذا من دعاء إبراهيم (عليه السلام) وأصحابه.
— 293 —
بنت أبي سفيان بن حرب فلان لهم أبو سفيان وكانت أم حبيبة تحت عبد الله بن جحش بن ذياب، وكانت هي وزوجها من مهاجري الحبشة، فنظر بوجهها وحاولها أن تتابعه فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الى النجاشي فيها ليخطبها عليه، فقال النجاشي لأصحابه: من أولى بها؟
قالوا: خالد بن سعيد بن العاص، قال: فزوّجها من نبيّكم، ففعل ومهرها النجاشي أربعمائة دينار، وساق أليها مهرها، ويقال بل خطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الى عثمان بن عفان فلما زوّجه أياها بعث الى النجاشي فيها، فساق عنه وبعث بها إليه فبلغ ذلك أبا سفيان وهو يومئذ مشرك فقال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه.
رخّص الله سبحانه في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من جميع الكافرين، فقال عزّ من قائل: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ تعدلوا فيهم بالإحسان والبر.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ واختلف العلماء فيمن نزلت فيهم هذه الآية،
فقال ابن عباس:
نزلت في خزاعة منهم هلال بن عديم وخزيمة ومزلقة بن مالك بن جعشم وبنو مدلج وكانوا صالحوا النبي صلّى الله عليه وسلّم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا
، وقال عبد الله بن الزبير: نزلت في أسماء بنت أبي بكر وذلك أن أمها فتيلة بنت الغري بن عبد أسعد من بني مالك بن حنبل قدمت عليها المدينة بهدايا ضيابا وقرطا وسمنا وهي مشركة، فقالت أسماء: لا أقبل منك هدية ولا تدخلين عليّ في بيتي حتى أستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قالت لها عائشة: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية، فأمر بها رسول الله أن تدخلها منزلها وتقبل هديّتها وتكرمها وتحسن إليها.
وقال مرّة الهمداني وعطية العوفي: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس.
إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ في دينكم وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ وهم مشركو مكة أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الواضعون الولاية في غير موضعها.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ الآية
قال ابن عباس: أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معتمرا حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكّة على من أتاه من أهل مكّة رده عليهم ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو لهم ولم يردوه عليه، وكتبوا بذلك كتابا وختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، والنبي صلّى الله عليه وسلّم بالحديبية فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم- وقال مقاتلان هو صفي بن الراهب- في طلبها، وكان كافرا فقال: يا محمد أردّد علي امرأتي فأنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منّا وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ من دار الكفر الى دار الإسلام.
— 294 —
فَامْتَحِنُوهُنَ
قال ابن عباس: امتحانهن أن يستحلفهن ما خرجت من بغض زوج وما خرجت رغبة عن أرض الى أرض وما خرجت التماس دنيا وما خرجت إلّا حبّا لله ورسوله، فاستحلفها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما خرجت بغضا لزوجها ولا عشقا لرجل منا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام، فحلفت بالله الذي لا اله الا هو على ذلك، فأعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مهرها وما أنفق عليها ولم يردها عليه، فتزوّجها عمر، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يردّ من جاء من الرجال ويحبس من جاءه من النساء إذا امتحن ويعطي أزواجهن مهورهن
، فذلك قوله سبحانه: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ يعني أزواجهن الكفار ما أَنْفَقُوا عليهن من المهر وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن وأن كنّ لهنّ أزواج كفار في دار الكفر لأنّه فرّق بينهما الإسلام إذا استبرئت أرحامهن.
وَلا تُمْسِكُوا قراءة العامة بالتخفيف من الإمساك، وتكون الباء صلة مجازه: ولا تمسكوا عصم الكوافر وقرأ الحسن أبو عمرو ويعقوب وأبو حاتم بالتشديد من التمسّك وقال:
مسكت بالشيء وتمسّكت به، والعصم جمع العصمة وهي ما اعتصم به من العقد والمسك، والكوافر: جمع كافرة. نهى الله المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، وأمرهم بفراقهن قال ابن عباس: يقول لا تأخذوا بعقد الكوافر ممن كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها فقد انقطعت عصمتها منه وليست له بامرأة، وإن جاءتكم امرأة مسلمة من أهل مكّة ولها بها زوج كافر فلا تعتدن به فقد انقطعت عصمته منها.
قال الزهري: فلما نزلت هذه الآية طلّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكّة مشركتين قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة والأخرى أم كلثوم بنت عمر بن حروا الخزاعية أم عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم- رجل من قومه- وهما على شركهما، وكانت عند طلحة بن عبيد الله بن عثمان ابن عمرو التيمي أروى بنت ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب ففرّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسك بِعِصَمِ الْكَوافِرِ،
وكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها ثم تزوّجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، فكانت ممن فرّ الى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من نساء الكفار فحبسهما وزوّجها خالدا، وأميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة ففرّت منه- وهو يومئذ كافر- الى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فزوجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سهل بن حنيف، فولدت عبد الله بن سهل «١».
قال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم امرأة أبي العاص بن الربيع فأسلمت
(١) تفسير الطبري: ٢٨/ ٩٢.
— 295 —
ولحقت بالنبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة وأقام العاص مشركا في مكة ثم أتى المدينة فأمنته زينب ثم أسلم فردّها عليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وَسْئَلُوا أيّها المؤمنون الذين ذهبت أزواجكم فلحقن بالمشركين ما أَنْفَقْتُمْ عليهن من الصدقات من تزويجهن منهم وَلْيَسْئَلُوا بعد المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن فيكم من يتزوجها منكم.
ما أَنْفَقُوا من المهر ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال الأزهري:
ولولا العهد والهدنة الذي كان بينه عليه السلام وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد إليهم صداقا، وكذلك يصنع بمن جاء من المسلمات قبل العهد، فلما نزلت هذه الآية أقرّ المؤمنون بحكم الله سبحانه وأدّوا ما أمروا من نفقات المشركين على نسائهم وأبى المشركون أن يقرّوا بحكم الله فيما أمر من أداء نفقات المسلمين فأنزل الله سبحانه وَإِنْ فاتَكُمْ أيها المؤمنون شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فلحقن بهم مرتدات فَعاقَبْتُمْ قراءة العامة بالألف وأختاره أبو عبيدة وأبو حاتم، وقرأ إبراهيم وحميد والأعرج فعقّبتم مشددا، وقرأ مجاهد فأعقبتم على وزن أفعلتم وقال: صنعتم بهم كما صنعوا بكم، وقرأ الزهري «فعقبتم» خفيفة بغير ألف، وقرأ فعقِبتم كسر القاف خفيفة وقال: غنمتم.
وكلها لغات بمعنى واحد يقال: عاقب وعقّب وعقب وعقب وأعقب ويعقب واعتقب وتعاقب إذا غنم.
ومعنى الآية: فغزوتم وأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة وظفرتم وكانت العاقبة لكم، وقال المؤرخ: معناه فحلقتم من بعدهم وصار الأمر إليكم، وقال الفرّاء: عقّب وعاقب مثل تصعر وتصاعر، وقيل: غزوة بعد غزوة.
فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ الى الكفار منكم مِثْلَ ما أَنْفَقُوا عليهم من الغنائم التي صارت في أيديكم من أموال الكفار وقيل: فعاقبتم المرتدة أي قتلتموها،
وكان جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الإسلام ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي آمنة بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدّت، ويروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن فضلة وزوجها عمر بن عبدون، وهند بنت أبي جهل بن هشام وكانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وكلثوم بنت جدول كانت تحت عمر ابن الخطاب، وأعطاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مهور نسائهم من الغنيمة «١».
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ.
(١) راجع تفسير القرطبي: ١٨/ ٧٠، وكتاب المجر: ٤٣٣.
— 296 —

[سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١٢ الى ١٣]

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ الآية
وذلك يوم فتح مكة لما فرغ الرسول صلّى الله عليه وسلّم من بيعة الرجال وهو على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه وهو يبايع النساء بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة مستنكرة مع النساء خوفا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يعرفها فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا» فرفعت هند رأسها وقالت والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وَلا يَسْرِقْنَ» فقالت هند: إن أبي سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله هنات ولا أدري أتحل لي أم لا؟
فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غير فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعرفها فقال لها: «وإنك لهند بنت عتبة» قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك فقال: «لا يَزْنِينَ» [٢٧٥] فقالت هند أوتزني الحرة؟ فقال: وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ فقالت هند: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى وتبسّم النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وهو أن تقذف ولدا على زوجها وليس منه، فقالت هند: والله إنّ البهتان يقبح وما تأمرنا إلّا مكارم الأخلاق، وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فقالت: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقرّ النسوة بما أخد عليهن «١».
وأختلف العلماء في كيفية بيعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليه النساء،
فأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر قال: حدثنا سفيان وأخبرنا عبد الله ابن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدثنا بشر بن مطر قال: حدثنا سفيان بن عتبة عن محمد بن المفكر وسمع أميمة بنت رفيقة تقول: بايعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في نسوة فقال: فيما استطعتن وأطقتن فقلت: رسول الله أرحم بنا من أنفسنا، قلت: يا رسول الله صافحنا قال: «إني لا أصافح النساء إنما قولي [لامرأة واحدة] كقولي لمائة امرأة» [٢٧٦] «٢».
وأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن قال: حدّثنا
(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٥٦.
(٢) مسند أحمد: ٦/ ٣٥٧.
— 297 —
محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً قالت: وما مسّ يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يد امرأة قط إلا يد امرأة تملكها
، وقال السعري كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يبايع النساء وعلى يده ثوب مطري.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم غمس أيديهن فيه
، وقال الكلبي: كان رسول صلّى الله عليه وسلّم يشرط على النساء وعمر رضي الله عنه يصافحهن.
وأختلف المفسرون في معنى المعروف فقال القرظي: المعروف الذي لا يعصينه فيه، ربيع: كل ما وافق طاعة الله فهو معروف، فلم يرض الله لنبيّه أن يطاع في معصية الله. بكر بن عبد الله المدني: لا يعصينك في كل أمر فيه رشدهن، مجاهد: لا تخلو المرأة بالرجال، سعيد ابن المسيب ومحمد بن السائب وعبد الرحمن بن زيد: لا تحلقن ولا تسلقن ولا تحرقن ثوبا ولا ينتفن شعرا ولا يخمشن وجها ولا ينشرن شعرا ولا يحدثن الرجال إلا ذا محرم ولا تخلوا امرأة برجل غير ذي محرم ولا تسافر امرأة ثلاثة أيام مع غير ذي محرم، ابن عباس: لا ينحن.
ودليل هذا التأويل ما
أخبرنا الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن علي الهمداني قال:
حدثنا محمد بن علي بن مخلد الفرقدي قال: حدثنا سليمان الشادكوى قال حدّثنا النعمان بن عبد السلام قال حدّثني عمرو بن فروخ قال: حدثنا مصعب بن نوح قال: أدركت عجوزا ممن بايعت النبي صلّى الله عليه وسلّم فحدّثتني عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: النوح
وأخبرنا الحسن قال:
أخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: أخبرنا أبو بكر بن سلام قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدّثنا سعدون قال: حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفّين صفا عن اليمين وصفا وعن الشمال «١» وينبحن كما تنبح الكلاب» [٢٧٧] «٢».
وأخبرنا الحسين قال: حدثنا السني قال: أخبرني إسحاق بن مروان الخطراني قال: حدثنا الحسن بن عروة قال: حدّثنا علي بن ثابت الجزري قال: حدّثنا حسان بن حميد عن سلمة بن جعفر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة ودرع من حرب واضعة يدها على رأسها تقول: وا ويلاه، وملك يقول: آمين، ثم يكون من ذلك حظها النار» [٢٧٨] «٣».
(١) في المصدر: اليسار.
(٢) كنز العمّال: ١٥/ ٦٠٨، ح ٤٢٣١٦، وفيه زيادة (فينبحن على أهل النار)، تفسير القرطبي: ١٨/ ٧٤. [.....]
(٣) مسند أحمد: ٥/ ٣٤٤.
— 298 —
وأخبرنا الحسن قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: أخبرنا أبو يعلي الموصلي قال: حدثنا هدية بن خالد قال حدثنا أبان بن يزيد قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيدا حدّثه أنّ أبا سلمة حدّثه أن أبا مالك الأشعري حدّثه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الإحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة»
[٢٧٩].
وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها يقام يوم القيامة عليها سربال من قطران ودرع من حرب» [٢٨٠].
وأخبرنا الحسن قال: أخبرنا ابن حمدان قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن سنان قال:
حدّثنا عبد الله بن رجاء الغداني قال: حدّثنا عمران بن دوار القطان قال: حدّثنا قتادة عن أبي مرانة العجلي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة «١»
[٢٨١] «٢».
وأخبرنا الحسن قال: حدّثنا أحمد بن إسحاق قال: حدّثني عمر بن حفص المكاري قال:
حدّثنا أبو عتبة قال: حدّثنا فقيه قال: حدّثنا أبو عامر قال: حدّثني عطاء بن أبي رياح أنّه كان عند ابن عمر وهو يقول: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لعن النائحة والمسمعة والحالقة والسالقة والواشمة والمتوشمة وقال: «ليس للنساء في إتباع الجنائز أجر» [٢٨٢] «٣».
وأخبرنا الحسن قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله قال حدّثنا موسى ابن إسماعيل قال: حدّثنا حماد عن أبان بن أبي عياش عن الحسين أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع نائحة فأتاها فضربها حتى وقع خمارها عن رأسها، فقيل: يا أمير المؤمنين المرأة المرأة قد وقع خمارها، قال: إنها لا حرمة لها «٤».
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهم اليهود وذلك ان ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المسلمين ويتواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك قَدْ يَئِسُوا يعني هؤلاء اليهود مِنَ الْآخِرَةِ أن يكون لهم فيها ثواب كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ أن يرجعوا إليهم أو يبعثوا.
أخبرنا الشيخ أبو علي بن أبي عمرو الخيري الحرشي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمد ابن خلف بن شعبة قال: حدّثنا محمد بن سائق قال: حدّثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن
(١) هو الصوت الشديد والصرخة عند الغناء والبكاء.
(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣٦٢.
(٣) السنن الكبرى: ٤/ ٦٣، كنز العمّال: ١٦/ ٣٩١، ح ٤٥٠٥٨.
(٤) تفسير القرطبي: ١٨/ ٧٥ عن الثعلبي.
— 299 —
ابن عباس في قوله سبحانه كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال: هم الكفار أصحاب القبور قد يئسوا من الآخرة.
وأخبرنا أبو علي بن أبي عمرو قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا علي بن سعيد بن جبير النسائي قال: حدّثنا أبو النظر قال: حدّثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال: الكفار حين دخلوا قبورهم يئسوا من رحمة الله.
وأخبرنا أبو علي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا شبل عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عزّ وجلّ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ بكفرهم كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ من الموتى في الآخرة حتى يبين لهم أعمالهم.
وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب قال:
حدّثنا وكيع قال: حدّثنا عبد الله بن حبيب عن أبي ثابت قال: سمعت القاسم بن أبي بزة يقول في قول الله سبحانه قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال: من كان منهم من الكفار يئس من الخير.
— 300 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

2 مقطع من التفسير