تفسير سورة سورة الأنعام
أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي
أحكام القرآن
أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي (ت 370 هـ)
الناشر
دار إحياء التراث العربي - بيروت
المحقق
محمد صادق القمحاوي - عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وقوله بعد ذلك فيقسمان بالله لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْيَمِينِ ثُمَّ قَالَ فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فيقسمان بالله لشهادتنا يَعْنِي بِهَا الْيَمِينَ لِأَنَّ هَذِهِ أَيْمَانُ الْوَارِثِينَ وقوله أحق من شهادتهما يَحْتَمِلُ مِنْ يَمِينِهِمَا وَيَحْتَمِلُ مِنْ شَهَادَتِهِمَا لِأَنَّ الوصيين قد كان منهما شهادة ويمين وصارت يَمِينُ الْوَارِثِ أَحَقَّ مِنْ شَهَادَةِ الْوَصِيَّيْنِ وَيَمِينِهِمَا لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا غَيْرُ جَائِزَةٍ وَيَمِينَاهُمَا لَمْ تُوجِبْ تَصْحِيحَ دَعْوَاهُمَا فِي شِرَاءِ مَا ادَّعَيَا شراءه مِنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وجهها يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَأَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يُغَيِّرُوا يَعْنِي أَنَّ مَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى
بِهِ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْأَيْمَانِ وَإِيجَابِهَا تَارَةً عَلَى الشُّهُودِ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمَا مِنْ الْخِيَانَةِ وَتَارَةً عَلَى الْوَرَثَةِ فِيمَا ادَّعَى الشُّهُودُ مِنْ شِرَى شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَأَنَّهُمْ مَتَى عَلِمُوا ذَلِكَ أَتَوْا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَلَا يَقْتَصِرُوا عَلَى أَيْمَانِهِمْ وَلَا يُبَرِّئُهُمَا ذَلِكَ مِنْ أَنْ يُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مَا كَتَمُوهُ وَادَّعَوْا شِرَاهُ إذَا حَلَفَ الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(سُورَةُ الأنعام)
بسم الله الرحمن الرحيم
بَابُ النَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَةِ الظَّالِمِينَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فأعرض عنهم الْآيَةُ فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَهِيَ الْقُرْآنُ بِالتَّكْذِيبِ وَإِظْهَارِ الِاسْتِخْفَافِ إعْرَاضًا يَقْتَضِي الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ وَإِظْهَارَ الكراهة لما يكون منهم إلى أَنْ يَتْرُكُوا ذَلِكَ وَيَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْنَا تَرْكَ مُجَالَسَةِ الْمُلْحِدِينَ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ عِنْدَ إظْهَارِهِمْ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إذَا لم يمكننا إنْكَارَهُ وَكُنَّا فِي تَقِيَّةٍ مِنْ تَغْيِيرِهِ بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ لِأَنَّ عَلَيْنَا اتِّبَاعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ الْمُرَادُ إنَّ أَنْسَاك الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ الشُّغْلِ فَقَعَدْت مَعَهُمْ وَأَنْتَ نَاسٍ لِلنَّهْيِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْك فِي تِلْكَ الْحَالِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظالمين يعنى بعد ما تَذْكُرُ نَهْيَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَقْعُدْ مَعَ الظَّالِمِينَ وَذَلِكَ عُمُومٌ فِي النَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَةِ سَائِرِ الظَّالِمِينَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قَوْله تَعَالَى وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تبسل نفس بما كسبت قَالَ قَتَادَةُ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْتُلُوا المشركين وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ لَكِنَّهُ عَلَى جِهَةِ التَّهَدُّدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَقَوْلُهُ تُبْسَلَ قَالَ الْفَرَّاءُ تُرْتَهَنُ وَقَالَ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ تُسْلَمَ وَقَالَ قَتَادَةُ تُحْبَسَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُفْضَحَ وَقِيلَ أَصْلُهُ الِارْتِهَانُ وَقِيلَ التَّحْرِيمُ وَيُقَالُ أَسَدٌ بَاسِلٌ لِأَنَّ فَرِيسَتَهُ مُرْتَهَنَةٌ بِهِ لَا تَفْلِتُ مِنْهُ وَهَذَا بَسْلٌ عَلَيْك أَيْ حَرَامٌ عَلَيْك لِأَنَّهُ مِمَّا يُرْتَهَنُ بِهِ وَيُقَالُ أُعْطِيَ الرَّاقِي بَسْلَتَهُ أَيْ أُجْرَتَهُ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُرْتَهَنٌ بِالْأُجْرَةِ وَالْمُسْتَبْسَلُ الْمُسْتَسْلَمُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَهَنِ بِمَا أَسْلَمَ فِيهِ
قَوْله تَعَالَى فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا ربى قِيلَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ حَالٍ نَظَرَهُ وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى مَا سَبَقَ إلَى وَهْمِهِ وَغَلَبَ فِي ظَنِّهِ لِأَنَّ قَوْمَهُ قَدْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ عَلَى أَسْمَاءِ الْكَوَاكِبِ فَيَقُولُونَ هَذَا صَنَمُ زُحَلَ وَصَنَمُ الشَّمْسِ وَصَنَمُ الْمُشْتَرِي وَنَحْوُ ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَقَبْلَ إكْمَالِ اللَّهِ تَعَالَى عَقْلُهُ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ فَقَالَ ذَلِكَ وَقَدْ خَطَرَتْ بِقَلْبِهِ الْأُمُورُ وَحَرَّكَتْهُ الْخَوَاطِرُ وَالدَّوَاعِي على الكفر فِيمَا شَاهَدَهُ مِنْ الْحَوَادِثِ الدَّالَّةِ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ أُمَّهُ كَانَتْ وَلَدَتْهُ فِي مَغَارٍ خَوْفًا مِنْ نُمْرُودٍ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ الْأَطْفَالَ الْمَوْلُودِينَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْمَغَارِ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ حِينَ شَاهَدَ الْكَوَاكِبَ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَى قَوْمِهِ وَحَذَفَ الْأَلِفَ وَأَرَادَ أَهَذَا رَبِّي قَالَ الشَّاعِرُ:
| كَذَبَتْك عَيْنُك أَمْ رَأَيْت بِوَاسِطٍ | غَلَسَ الظَّلَامِ مِنْ الرباب خيالا |
| رفونى وَقَالُوا يَا خُوَيْلِدُ لَا تُرَعْ | فَقُلْت وَأَنْكَرْتُ الْوُجُوهَ هُمْ هُمْ |