جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
| فَقُلْتُ لصَاحِبي لا تَحْبسانا | بنزْعِ أُصُولهِ واجْتَزّ شيحا |
| فإنْ تَزْجُرانِي يا بْنَ عَقّانَ أنْزَجِرْ | وَإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضا مُمَنّعا |
| خَلِيلَيّ مُرّا بِي على أُمّ جُنْدَبِ | نُقَضّ لُباناتِ الفُؤَادِ المُعَذّبِ |
| ألَمْ تَرَ أنّي كُلّما جِئْتُ طارِفا | وَجَدْتُ بِها طِيْبا وَإنْ لّمْ تَطَيّبِ |
| خَلِيلَيّ قُوما في عَطالَةَ فانْظُرَا | أنارٌ تُرَى مِنْ ذِي أبانَيْنِ أَمْ بَرْقا |
كُلّ كَفّارٍ عَنِيدٍ يعني : كل جاحد وحدانية الله عنيد، وهو العاند عن الحقّ وسبيل الهدى.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ) قال: الحياة بعد الموت.
حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ) قال: عاين الآخرة.
وقوله (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) يقول: فأنت اليوم نافذ البصر، عالم بما كنت عنه في الدنيا في غفلة، وهو من قولهم: فلان بصير بهذا الأمر: إذا كان ذا علم به، وله بهذا الأمر بصر: أي علم.
وقد رُوي عن الضحاك إنه قال: معنى ذلك (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) لسان الميزان، وأحسبه أراد بذلك أن معرفته وعلمه بما أسلف في الدنيا شاهد عدل عليه، فشبَّه بصره بذلك بلسان الميزان الذي يعدل به الحقّ في الوزن، ويعرف مبلغه الواجب لأهله عما زاد على ذلك أو نقص، فكذلك علم من وافي القيامة بما اكتسب في الدنيا شاهد عليه كلسان الميزان.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)﴾
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) الملك.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ)... إلى آخر الآية، قال: هذا سائقه الذي وُكِّل به، وقرأ (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ).
وقوله (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل قَرينِ هذا الإنسان عند موافاته ربه به، ربّ هذا ما لديّ عتيد: يقول: هذا الذي هو عندي معدّ محفوظ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) قال: والعتيد: الذي قد أخذه، وجاء به السائق والحافظ معه جميعا.
وقوله (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) فيه متروك استغني بدلالة الظاهر عليه منه، وهو: يقال ألقيا في جهنم، أو قال تعالى: ألقيا، فأخرج الأمر للقرين، وهو بلفظ واحد مخرج خطاب الاثنين. وفي ذلك وجهان من التأويل: أحدهما: أن يكون القرين بمعنى الاثنين، كالرسول، والاسم الذي يكون بلفظ الواحد في الواحد، والتثنية والجمع، فردّ قوله (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) إلى المعنى. والثاني: أن يكون كما كان بعض أهل العربية يقول، وهو أن العرب تأمر الواحد والجماعة
| فَقُلْتُ لصَاحِبي لا تَحْبسانا | بنزعِ أُصُولِهِ واجْتَزَّ شيحا (١) |
| فإنْ تَزْجُرانِي يا بْنَ عَفَّان أنزجِرْ | وَإنْ تَدَعانِي أحْمِ عِرْضا مُمنَعَّا (٢) |
(٢) وهذا البيت أيضًا من شواهد الفراء في معاني القرآن (الورقة ٣٠٩) على ما تقدم في نظيره من أن العرب قد تخاطب القوم والواحد بما تخاطب به الاثنين، قال بعد أن أنشد البيت: ونرى أن ذلك منهم أن الرجل أدنى أعوانه في إبله وغنمه اثنان، وكذلك الرفقة أدنى ما يكونون ثلاثة، فجرى كلام الواحد على صاحبيه. أهـ.
وقال في (اللسان: جزر) إن العرب ربما خاطبت الواحد بلفظ الاثنين، كما قال سويد بن كراع العكلي:
| تقول ابنة العوفي ليلي ألا ترى | إلى ابن كراع لا يزال مفزعا |
| مخافة هذين الأميرين سهدت | رقادي وغشتني بياضا مقزعا |
| فإن أنتما أحكمتماني فازجرا | أراهط تؤذي من الناس رضعا |
قال: وهذا يدل على أنه خاطب اثنين: سعيد بن عثمان، ومن ينوب عنه، أو يحضر معه. وقوله فإن أنتما أحكمتماني: دليل أيضا على أنه يخاطب اثنين. وقوله: أحكمتماني: أي منعتماني من هجائه. واصله من أحكمت الدابة: إذا جعلت فيها حكمة اللجام وقوله: " وإن تدعاني " أي إن تركتماني حميت عرضي ممن يؤذيني. وإن زجرتماني انزجرت وصبرت. والرضع: جمع راضع، وهو اللئيم. أهـ. وعلى هذا لا يكون في البيت شاهد للفراء، ولا للمؤلف.
| خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي على أُمّ جُنْدَبِ | نُقَضِّ لُباناتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ (١) |
| أَلمْ تَرَ أنّي كُلَّما جِئْتُ طارِفا | وَجَدْتُ بِها طِيْبات وَإنْ لَّمْ تَطَيَّبِ (٢) |
| خَلِيلَي قُوما في عَطالَةَ فانْظُرَا | أنارٌ تَرَى مِنْ ذِي أبانَيْنِ أَمْ بَرْقا (٣) |
(كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) يعني: كل جاحد وحدانية الله عنيد، وهو العاند عن الحقّ وسبيل الهدى.
وقوله (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) كان قتادة يقول في الخير في هذا الموضع: هو
| فإنكما إن تنظراني ساعة | من الدهر تنفعني لدى أم جندب |
(٣) البيت لسويد بن كراع العكلي عن (التاج: عطل) وعطالة: جبل لبني تميم وذو وأبانين: أي المكان الذي فيه الجبلان: أبان الأبيض، وهو لبني جريد من بني فزارة خاصة، والأسود لبني والبة من بني الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد، ويشركهم فيه فزارة. وبين الجبلين نحو فرسخ، ووادي الرمة يقطع بينهما. قاله البكري في (معجم ما استعجم ص ٩٥). وقال الفراء بعد أن روى البيت: بعضهم يرويه: " أنارا ترى ". أهـ. وعلى هذه الرواية الأخيرة لا يكون في البيت شاهد على ما أراده المؤلف من أن العرب تخاطب الواحد بما تخاطب به المثنى. وقوله " من ذى أبانين " هذه رواية الطبري في الأصل، وهي تختلف عن رواية الفراء في معاني القرآن (٣٠٩) وهي: " من نحو بابين ". قال في التاج: وبابين - مثنى - موضع بالبحرين