ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ

" في قلوبهم مرض " الجار والمجرور خبر مقدّم واجب التقديم لما تقدّم ذكره في قوله تعالى : وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [ البقرة : ٧ ]. والمشهور تحريك الراء من " مرض ".
وَرَوَى الأصمعي(١) عن أبي عمرو سكونها، وهما لغتان في مصدر مَرِضَ يَمْرَضُ.
" والمرض " : الفتور.
وقيل : الفساد.
وقيل : صفة توجب وقوع الخَلَلِ في الأفْعال الصادرة عن الفاعل، ويطلق على الظلمة ؛ وأنشدوا :[ البسيط ]

فِي لَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ فَما يُحِسُّ بِهِ نَجْمٌ وَلاَ قَمَرُ(٢)
أي : لظلمتها، ويجوز أن يكون أراد ب " مَرِضَتْ " فَسَدْت، ثم بين جهة الفَسَادِ بالظُّلمة.
قوله : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً .
هذه جملة فعلية معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، متسبّبة عنها، بمعنى أنَّ سبب الزِّيَادة حصول المرض في قلوبهم، إذ المراد بالمرض هنا الغِلّ والحسد لظهور دين الله تعالى.
و " زاد " يستعمل لازماً ومتعدياً لاثنين ثانيهما غير الأول ك " أَعْطَى وكَسَا "، فيجوز حذف مفعوليه، وأحدهما اختصاراً واقتصاراً، تقول :" زاد المال " فهذا لازم، و " زدت زيداً أجراً " ومنه :
وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [ الكهف : ١٣ ]، فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [ البقرة : ١٠ ] و " زدت زيداً " ولا تذكر ما زدته، و " زدت مالاً " ولا تذكر من زدته.
وألف " زاد " منقلبة عن ياء ؛ لقولهم :" يزيد ".
وقرأ ابن عامر وحمزة(٣) :" فزادهم " بالإمالة.
وزاد حمزة إمالة " زاد " حيث وقع، و زَاغَ [ النجم : ١٧ ] وَخَابَ
[ إبراهيم : ١٥ ]، و طَابَ [ النساء : ١٣ ]، و " حَاقَ " [ الأنعام : ١٠ ]، والآخرون لا يميلونها.

فصل في أوجه ورود لفظ المرض


ورد لفظ " المرض " على أربعة أوجه :
الأول : الشّك كهذه الآية.
الثاني : الزِّنَا قال تعالى : فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [ الأحزاب : ٣٢ ].
الثالث : الحَرَجُ قال تعالى : أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ [ النساء : ١٠٢ ].
الرابع : المرض بعينه.
قوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ نظيره قوله تعالى : وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ
[ البقرة : ٧ ] وقد تقدّم. و " أليم " هنا بمعنى : مُؤْلِم، كقوله :[ الوافر ]
ونَرْفَعُ مِنْ صُدُورِ شَمَرْدَلاَتٍ يَصُكُّ وُجُوهَهَا وَهَجٌ أَلِيمُ(٤)
ويجمع على " فُعَلاَء " ك :" شريف وشرفاء "، و " أفْعَال " مثل :" شريف وأشراف "، ويجوز أن يكون " فعيل " : هُنَا للمُبَالغة محولاً من " فَعِل " بكسر العَيْنِ، وعلى هذا تكون نسبة الألم إلى العَذَابِ مجازاً، لأنّ الألم حلّ بمن وقع به العذاب لا بالعذاب، فهو نظير قولهم :" شِعْرٌ شَاعِر ".
و بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ متعلّق بالاستقرار المقدر في " لهم "، أي : استقر لهم عَذَابٌ أليم بسبب تكذيبهم.
و " ما " يجوز أن تكون مصدرية، أي : بكونهم يكذبون، وهذا على القول بأن ل " كان " مصدراً، وهو الصحيح عند بعضهم للتصريح به في قول الشاعر :[ الطويل ]
بِبَذْلٍ وَحِلْمٍ سَادَ في قوْمِهِ الفَتَى وَكَوْنُكَ إِيَّاهُ عَلَيْكَ يَسِيرُ(٥)
فقد صَرّح بالكون، ولا جائز أن يكون مصدر " كان " التَّامة لنصبه الخبر بعدها، وهو " إياه " على أنَّ للنظر في هذا البيت مجالاً ليس هذا موضعه.
وعلى القول بأن لها مصدراً لا يجوز التصريح به معها، لا تقول :" كان زيد قائماً كوناً "، قالوا : لأن الخبر كالعوض من المصدر، ولا يجمع بين العوض والمُعَوَّض منه، وحينئذ فلا حَاجَةَ إلى ضمير عائد على " ما " ؛ لأنها حرف مصدري على الصحيح، خلافاً للأخفش وابن السّراجِ في جعل المصدرية اسماً.
ويجوز أن تكون " ما " بمعنى " الذي "، وحينئذ فلا بُدّ من تقدير عائدٍ أي : بالذي كانوا يكذبونه، وجاز حَذْفُ العائد لاستكمال الشُّروط، وهو كونه منصوباً متصلاً بفعل، وليس ثمَّ عائد آخر.
وزعم أبو البَقَاءِ أن كون " ما " موصولةً اسميةً هو الأظهر، قال : لأنّ الهاء المقدرة عائدة على " الَّذِي " لا على المصدر. وهذا الَّذِي قاله غير لازم، إذ لقائل أن يقول : لا نسلّم أنه لا بُدَّ من هاءٍ مقدّرة حتى يلزم جعل " ما " اسمية، بل من قرأ يَكْذِبُونَ مخففاً فهو عنده غير متعدٍّ لمفعول، ومن قرأه مشدداً فالمفعول محذوف لفهم المعنى أي : بما كانوا يكذبون الرَّسول والقرآن، أو يكون المشدّد بمعنى المخفّف، وقرأ الكوفيون(٦) : يَكْذِبُونَ بالفتح والتَّخفيف، والباقون بالضَّم والتشديد.
و " يكذّبون " مضارع " كذَّب " بالتشديد، وله معانٍ كثيرة : الرَّمي بكذا، ومنه الآية الكريمة والتعدية نحو :" فَرَّحْتُ زيداً ".
والتكثير نحو :" قَطَّعْتُ الأثواب ".
والجعل على صفة نحو :" قَطَّرْتُه " أي : جعلته مقطراً ؛ ومنه :[ السريع ]
قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا(٧)
والتسمية نحو :" فَسَّقْتُهُ " أي : سميته فاسقاً
والدعاء له نحو :" سَقَّيْتُهُ " أي قلت له :" سَقَاكَ الله ".
أو الدعاء عليه نحو :" عَقَّرتُه " أي قلت : عَقْراً لك.
والإقامة على الشيء نحو :" مَرَّضتُه " والإزالة نحو :" قَذَّيْتُ عينه " أي : أزلت قَذَاها.
والتوجّه نحو :" شَرَّقَ وغَرَّبَ "، أي : توجّه نحو الشرق والغرب.
واختصار الحكاية نحو :" أمَّنَ " قال : آمين.
وموافقة " تَفَعَّلَ " و " فَعَلَ " مخففاً نحو : وَلَّى بمعنى تولّى، وقَدَّرَ بمعنى قَدَر، والإغناء عن " تَفَعَّلَ " و " فَعَلَ " مخففاً نحو " حَمَّرَ " أي تكلم بلغة " حمير "، قالوا :" مَنْ دخل ظَفَارِ حَمَّرَ وعَرَّدَ في القِتَال " هو بمعنى عَرَدَ مخففاً، وإن لم يلفظ به.
و " الكذب " اختلف النَّاس فيه، فقائل : هو الإخبار عن الشيء بخير ما هو عليه ذهناً وخارجاً، وقيل : بغير ما هو عليه في الخارج، سواء وافق اعتقاد المتكلّم أم لا.
وقيل : الإخبار عنه بغير اعتقاد المتكلّم سواء وافق ما في الخارج أم لا، والصّدق نقيضه.

فصل في معنى الآية


قال المفسرون : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ شكّ ونفاق فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً ؛ لأن الآيات كانت تنزل آيةً بعد آيةٍ، كلما كفروا بآيةٍ ازدادوا كفراً ونفاقاً، وذلك معنى قوله : فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : ١٢٥ ] والسورة لم تفعل ذلك، ولكنهم ازدادوا رجساً عند نزولها حين كفروا بها قبل ذلك، وهو كقوله تعالى : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً [ نوح : ٦ ] والدعاء لم يفعل شيئاً من هذا، ولكنهم ازدادوا فراراً عنده، وقال : فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً [ فاطر : ٤٢ ].
قالت المعتزلة : لو كان المراد من المرض - هاهنا - الكفر والجَهْل لكان قوله : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً محمولاً على الكُفْرِ والجَهْلِ، فيلزم أن يكون الله - تعالى - فاعلاً للكفر والجهل.
قالت المعتزلة : ولا يجوز أن يكون الله - تعالى - فاعلاً للكفر والجَهْلِ لوجوه :
أحدها : أنّ الكفار كانوا في غَايَة الحرص على الطَّعن في القرآن، فلو كان المعنى ذلك لقالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : إذا فعل الله الكفر فينا، فكيف تأمرنا بالإيمان ؟
وثانيها : أنه - تعالى - ذكر هذه الآيات في معرض الذَّم لهم على كُفْرِهِمْ، فكيف يذمّهم على شيء خلقه الله فيهم.
وثالثها : قوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فإن كان الله خلق ذلك فيهم كما خلق لونهم وطولهم، فأيّ ذنب لهم حتَّى يعذبهم ؟
ورابعها : أنه - تعالى - أضافه إليهم بقوله : بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ وبأنهم يفسدون في الأرض، وأنهم هم السّفهاء، وأنهم إذا خلوا إلى شَيَاطينهم قالوا : إنا معكم، وإذا ثبت هذا فلا بُدّ من التأويل، وهو من وجوه :
الأول : يحمل المرض على الغَمّ، لأنه يقال : مرض قلبي من أمر كذا، والمعنى : أن المنافقين مرضت قلوبهم لما رأوا إثبات أمر النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام -، واستعلاء شأنه يوماً فيوماً، وذلك يؤدي إلى زوال رياستهم، كما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - مَرَّ بعبد الله بن أُبَيّ على حِمَارٍ، فقال له : نَحّ حمارك يا مُحَمّد فقد آذانا رِيْحُهُ، فقال له بعض الأنصار، اعْذُرْهُ يا رسول الله، فإنه كان مؤملاً أن نُتَوِّجَهُ الرياسةَ قبل أن تقدم علينا(٨)، فهؤلاء لمَّا اشتدَّ عليهم الغَمّ وصفهم الله بذلك فقال : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أي : زادهم غمًّا على غَمِّهِمْ.
وثانيها : المراد من زيادة المرض زيادة منع الألطاف فيكون بسبب ذلك المَنْع خاذلاً لهم.
الثالث : أنَّ العرب تصف فتور النَّظر بالمرض يقولون : جاريةٌ مريضةُ الطرف.
قال جرير :[ البسيط ]
إِنَّ العُيُونَ الَّتِي في طَرْفِهَا مَرَضٌ قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلاَنَا(٩)
فكذا المرض هاهنا إنما هو الفتور في النِّية ؛ لأن قلوبهم كانت قويةً على المُحَاربة، والمُنَازعة، والمخاصمة، ثم انكسرت شوكتهم، فأخذوا في النِّفَاق بسبب ذلك الخوف، والانكسار، فقال تعالى : فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً أي : زادهم الانْكِسَارَ والجُبْنَ والضعف، وحقق الله ذلك بقوله : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [ الأحزاب : ٢٦ ].
الرابع : أن يحمل المرض على أَلَم القلب ؛ لأنَّ المُبْتَلَى بالحَسَدِ والنِّفَاقِ، ومشاهدة ما يكره ربما صار ذلك سبباً لتغيير مِزَاَجِهِ، وتألُّم قلبه، وحَمْلُ اللَّفْظِ على هذا الوَجْهِ حَمْلٌ له على حقيقته، فكان أولى.
وقوله : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ صريح أن كذبهم علّة للعذاب الأليم، وذلك يقتضي أن يكون كل كذب حراماً.
فأما ما يروى عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أنه كذب ثلاث كذبات(١٠)، فالمراد التعريض، ولكن لما كانت صورته الكذب سمي به.
والمراد بكذبهم قولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم غير مؤمنين.
١ - عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد الأصمعي؛ رواية العرب وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان ولد ١٢٢هـ.
كان الرشيد يسميه شيطان الشعر، قال الأخفش: ما رأينا أحدا أعلم بالشعر من الأصمعي وتصانيفه كثيرة منها الإبل مطبوع، الأضداد مخطوط، خلق الإنسان مطبوع وغيرها توفي سنة ٢١٦هـ.
ينظر السيرافي: ٥٨، جمهرة الأنساب: ٢٣٤، وابن خلكان: (١/٢٨٨)، تاريخ بغداد: ١٠/٤١، نزهة الألبا: ١٥٠، طبقات النحويين، الأعلام: ٤/١٦٢..

٢ - ينظر البحر المحيط: ١/١٨١، والدر المصون: ١/١١٦..
٣ - انظر شرح طيبة النشر: ٤/٤، والعنوان: ٦٨، والحجة للقراءات السبعة: ١/٣٢٠، وحجة القراءات: ٨٨، وإعراب القراءات: ١/٦٥، وإتحاف: ١/٣٧٨..
٤ - البيت لذي الرمة. ينظر ديوانه: ٦٧٧، الأضداد: ٨٤، اللسان (شمردل) الطبري: ١/١٥٦، القرطبي: ١/١٣٩، الدر: ١/١١٦..
٥ - ينظر البيت في شرح ابن عقيل: (١/٢٧٠)، (٦٤)، الأشموني (١/٢٣١)، الهمع: (١/١١٤)، الدرر: (١/٨٣)، وارتشاف الضرب: (٢/٧٥)، وشرح الألفية لابن الناظم: (١٣٢)، والتصريح: (١/١٨٧)، والدر المصون: (١/١١٦)، أوضح المسالك: ١/٢٣٩، المقاصد النحوية: ٢/١٥..
٦ - وبها قرأ: عاصم، وحمزة، والكسائي، وكذا خلق، ووافقهم الحسن والأعمش. انظر حجة القراءات: ٨٨، والحجة: ١/٣٢٩، والعنوان في القراءات السبع: ٦٨، وإعراب القراءات: ١/٦٥، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٧٨، وشرح شعلة: ص ٢٥٨، وشرح طيبة النشر: ٤/٤..
٧ - البيت لعمرو بن معد يكرب ينظر ديوانه: ص ١٦٧، والأغاني: ١٥/١٦٩، وشرح أبيات سيبويه: ٢/١٩٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ص ٤١١، والكتاب: ٢/٣٥٣، وله أو للفرزدق ينظر شرح شواهد المغني: ٢/٧١٩، الأشباه والنظائر: ٧/٢٤٣، وتخليص الشواهد: ص ١٨٤، وشرح المفصل: ٣/١٠١، ١٠٣، ولسان العرب (قطر)، ومغني اللبيب: ١/٣٠٩، دلائل الإعجاز: ٣٣٧، الدر: ١/١١٧..
٨ - ذكره الفخر الرازي في "تفسيره" (٢/٥٨)..
٩ - ينظر ديوانه: ص ١٦٣، وشرح شواهد المغني: ٢/٧١٢، والمقاصد النحوية: ٣/٤٦٤، والمقتضب: ٢/١٧٣، وبلا نسبة في شرح المفصل: ٥/٩..
١٠ ينظر تفسير زاد المسير لابن الجوزي: ٤/٢٥٨، ٥/٣٦٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية