فلا يجوز أن ينفي الله العلم عنهم بحياتهم، إذ (١) كانوا [قد علموا ذلك بإخباره إياهم. ولكن يجوز أن يقال: [(ولكن لا)] (٢) تشعرون (٣)، لأنه ليس كل ما علموه يشعرونه، كما أنه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم، فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياته (٤)، وإن كانوا قد علموه بإخبار الله إياهم وجب أن يقال: لَا يَشْعُرُونَ (٥).
١٠ - قوله تعالى فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ:
قال أبو بكر بن الأنباري (٦): أصل المرض في اللغة: الفساد، ومرض فلان، فسد جسمه، وتغيرت حالته، وكذلك مرضت الأرض معناه (٧) تغيرت وفسدت (٨).
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٣) في (أ)، (ب) يشعرون (بالياء) وما في (ج) موافق لـ"المخصص" ٣/ ٣٢. وهو الوارد في الآية، وهو ما أثبته.
(٤) في "المخصص" (حياتهم) ٣/ ٣٢، والمراد الشهداء.
(٥) في (المخصص) (لا تشعرون). انتهى ما نقله الواحدي من كلام أبي علي. انظر "المخصص" ٣/ ٣٢.
(٦) انظر: "الزاهر" ١/ ٥٨٥، وانظر: "تفسير القرطبي" ١/ ١٧١، "تفسير النسفي" ١/ ١٨، "البحر اليحيط" ١/ ٥٣. قال ابن فارس: (الميم والراء والضاد) أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان،..)، "مقاييس اللغة" (مرض) ٥/ ٣١١، "تهذيب اللغة" (مرض) ٤/ ٣٣٧٨.
(٧) (معناه) مكرر في (ب).
(٨) في "التهذيب" (أرض مريضة، إذا ضاقت بأهلها، وأرض مريضة: إذا كثر بها الهرج والفتن والقتل "تهذيب اللغة" مرض) ١٢/ ٣٥.
قالت ليلى الأخيلية (١):
| إذا هبط الحَجَّاج أرضًا مريضةً | تتبَّع أقصى (٢) دائها فشفاها (٣) |
| ألم تر أن الأرض أضحت مريضة | لفقد الحسين والبلاد اقشعرت (٤) |
رَاحَتْ لأربعك الرياح مريضة (٩)
(٢) في (ب): (دهاء).
(٣) ورد البيت في "الزاهر" ١/ ٥٦٠، ٥٨٦، "أساس البلاغة" (مرض) ٢/ ٣٧٩، "جواهر البلاغة" للهاشمي ص ٣١٥.
(٤) البيت من قصيدة لسليمان بن قَنَّة يرثي الحسين بن علي -رضي الله عنه- وردت في "الاستيعاب" ١/ ٤٤٤، "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٣١٩، "والبداية والنهاية" ٨/ ٢١١، والقصيدة في حماسة أبي تمام بشرح المرزوقي، دون البيت المستشهد به هنا ٢/ ٩٦١.
(٥) في (ب): (فقال يقال).
(٦) في (أ)، (ج): (غير) وفي (ب) (عن) والصواب (عين) قال الثعلبي: (المرض في العين: فتورالنظر) "تفسير الثعلبي" ١/ ٥٠ أ، وانظر "الصحاح" (مرض) ٣/ ١١٠٦ "البحر المحيط" ١/ ٥٣.
(٧) (أي) ساقطة من (ب).
(٨) في (ب): (يفسر).
(٩) لم أعثر عليه ولم أعرف قائله فيما اطلعت عليه والله أعلم.
أي: لينة ضعيفة حتى لا تعفوها.
ثعلب عن ابن الأعرابي (١): أصل المرض: النقصان. بدن مريض: ناقص القوة. و (٢) قلب مريض: ناقص الدين، ومَرَّض (٣) في حاجتي إذا نقصت حركته فيها.
وقال الأزهري: أخبرني المنذري، عن بعض أصحابه قال: المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها، قال: والمرض: الظلمة، وأنشد (٤):
| ولَيْلَةٍ مَرِضَتْ مِنْ كُلِّ ناحيةٍ | فما يُضيءُ لها شَمْسٌ ولا قَمَرُ (٥) |
(٢) (الواو) ساقطة من (ب).
(٣) في "التهذيب": (مرض فلان في حاجتى) ٤/ ٣٣٧٨.
(٤) في "التهذيب": (وأنشد أبو العباس)، ٤/ ٣٣٧٨، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" قال: أنشدنا أبو العباس ١/ ٥٨٥.
(٥) البيت لأبي حية النميري ولفظه في "التهذيب" (فلا يضيء) ٤/ ٣٧٧٨، وذكره ابن الأنباري في "الزاهر" ١/ ٥٨٥ والكرماني في "لباب التفسير" ١/ ١٢٦ (رسالة دكتوراه)، وورد في "اللسان" (مرض) ٧/ ٤١٨٠، "البحر المحيط" ١/ ٣٥، "الدر المصون" ١/ ١٢٩.
(٦) (هذا) ساقط من (ب).
(٧) في (ب): (والجهل هذا والحيرة) وفي ج (والحيرة والجهل).
قال ابن عباس في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق (١)، وهو قول ابن مسعود والحسن وقتادة (٢) وجميع أهل التأويل.
وقال ابن جرير (٣): معناه في اعتقاداتهم مرض، أي: شك وشبه، فاستغنى بذكر القلوب عن ذكر الاعتقادات؛ لأن محلها القلوب كقولهم: (يا خيل الله اركبي) (٤).
وليس الأمر على ما قال؛ لأن الشك في القلب على الحقيقة، فأي فائدة لتقدير الاعتقاد ههنا؛ ولأن الشك ينافي الاعتقاد، وهم ليسوا
(٢) انظر أقوالهم والآثار عنهم في: "تفسير الطبري" ١/ ١٢٢، "تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ٤٣ - ٤٤، "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٢، "الدر" ١/ ٦٧ - ٦٨.
(٣) "تفسير الطبري" ١/ ١٢٢، نقل الواحدي كلامه بتصرف.
(٤) قوله: (كقولهم: يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأنباري في "الزاهر"، قال ومعناه. فرسان خيل الله اركبوا وابشروا بالجنة. "الزاهر" ٢/ ١٠٠، ومنه الحديث (يا خيل الله اركبي) ذكره ابن الأثير في "النهاية" ٢/ ٩٤، وذكره السيوطي في "الدرر المنتثرة"، وعزاه للعسكري في "الأمثال"، "الدرر المنتثرة" ص ١٤٤ (٤٦٣)، وذكره العجلوني في "كشف الخفاء" وعزاه لأبي الشيخ في "الناسخ والمنسوخ"، وللعسكري ولابن عائذ في "المغازي" وغيرهم. انظر "كشف الخفاء" ٢/ ٣٧٩، ٣٨٠، وقد رجعت إلى "جمهرة الأمثال" للعسكري ولم أجده، وترجم أبو داود في "سننه" (باب في النداء عند النفير: يا خيل الله اركبي) كتاب (الجهاد) وساق حديث سمرة بن جندب: أما بعد: فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمى خيلنا خيل الله (٢٥٦٠)، "سنن أبي داوود" ٣/ ٥٥ معه "معالم السنن".
معتقدين (١) إذا كانوا شاكّين (٢).
وقوله تعالى: فَزَادَهُمُ اَللَّهُ مَرَضًا. يقال: زاد يزيد زيادة وزيدا (٣)، أنشد أبو زيد:
كذلك زَيْدُ المَرْءِ بعدَ انتِقَاصِه (٤)
وقال ذو الإصبع (٥):
| وأنتمُ معشرٌ زَيْدٌ على مائة | فأجمِعُوا أمركم طُرًّا فكيدوني (٦) |
(٢) وفيما قاله الواحدي وجاهة وقوة.
(٣) "الحجة" لأبي علي ١/ ٣٢٢.
(٤) أنشده أبو زيد مع ثلاثة أبيات قبله ونسبها لحسان السعدي ورواية أبي زيد له مع عجزه:
| كذلك زيد المرء ثم انتقاصه | وتكراره في إثره بعد ما مضى |
(٥) هو حرثان بن محرث ذو الإصبع العدواني شاعر جاهلي معمر عاش ثلاثمائة سنة انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص ٤٧٣، "الخزانة" ٥/ ٢٨٤.
(٦) البيت ضمن قصيدة لذى الإصبع العدواني في "المفضليات" ص ١٦١، وفيه بدل (طرا)، (كلا) ووردت في ص ١٦٣، وفيه (شتى)، وهي في "الأمالي" لأبي علي القالي١/ ٢٥٦، وفي "شرح المفصل" لابن يعيش ١/ ٣٠.
(٧) في (ب): (كان).
(٨) في (ب): (على مائة فأجمعوا).
(٩) أي: (زاد).
مفعولين كما قال: وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١) [الكهف: ١٣] وقال: زِدْنَاهُمْ عَذَابًا (٢) [النحل: ٨٨].
وكان حمزة يميل (زاد) في جميع القرآن (٣) كأنه أراد أن يدل بالإمالة على أن العين (٤) (ياء) [ليحافظ] (٥) على الحرف الذي هو أصل، كما أنهم قالوا في جمع أبيض وأعين: بيض وعين، فأبدلوا (٦) من الضمة كسرة، لأن جمع (أَفْعَل) (٧) (فُعْل) لتصح (٨) (الياء) ولا تنقلب إلى (الواو) (٩) فكما حوفظ على تصحيح (١٠) (الياء) في هذه الحروف كذلك حوفظ على (الياء)
(٢) الكلام نقله عن "الحجة" لأبي علي١/ ٣٢٢.
(٣) قال ابن مجاهد: (قرأ حمزة [وحده] فَزَادَهُمُ اللَّهُ بكسر الزاي [المراد الإمالة] وكذلك (شاء) و (جاء) و (خاب) و (طاب) و (ضاق) و (خاف) و (حاق)... ثم قال. وكان ابن عامر يكسر من ذلك كله ثلاثة أحرف: (فزادهم) و (شاء) و (جاء)، "السبعة" لابن مجاهد ص ١٤١، ١٤٢، وذكر نحوه مكي، وقال: ووافقه ابن ذكوان في (جاء) و (شاء) حيث وقعا وعلى إمالة (زاد) في أول سورة البقرة خاصة. "الكشف" ١/ ١٧٤، وانظر: "الحجة" لأبي علي ١/ ٣٢٠.
(٤) في (ب): (المعين).
(٥) في جميع النسخ (لتحافظ) بالتاء، وكتبتها بالياء حسب ما ورد في "الحجة" والكلام منقول منه وهو الصحيح، انظر "الحجة"١/ ٣٢٦، ٣٢٧.
(٦) في (أ)، جـ، (فأبدوا) وأثبت ما في (ب).
(٧) في (ب): (أفضل).
(٨) في (ب): (النصح).
(٩) جمع (أبيض) على القياس (بوض) فأبدلوا ضمة (الباء) كسرة حتى لا تقلب الياء واوا.
(١٠) في (ب): (الصحيح).
في (زاد) بإمالة الألف نحوها (١) يدلك على ذلك: أن الذين أمالوا نحو: (زاد) (٢) و (زاغ) و (خاب) و (طاب) (٣) لم يميلوا نحو (عاذ، وعاد) ولا (بابا) ولا (مالا) ولا ما أشبه ذلك مما العين منه (واو) حيث لم تكن في الكلمة (٤) (ياء) ولا (كسرة) فتنحى الألف بالإمالة نحوهما.
ومما يقوي الإمالة في (زاد) ونحوه: أنه اجتمع فيه أمران كل واحد يوجب الإمالة:
أحدهما: ما ذكرنا (٥) والثاني: لحَاقُ الكسرة أول فَعَلْتَ (٦)، وكل واحدة من هاتين الحالتين توجب الإمالة بانفرادها (٧).
ومعنى قوله. فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا أى: شكًّا على شكٍّ وفسادَا على فساد (٨). وهذا يدل على أن كفرهم كان مخلوقًا لله تعالى (٩)؛ لأنه لو لم
(٢) أي ما كان أصل العين فيه ياء.
(٣) في "الحجة": (زاد وباع وناب وعاب) ١/ ٣٢٧.
(٤) (في الكلمة) ساقط من (ب).
(٥) وهو أن تمال الألف ليعلم أنها من الياء،. "الحجة" ١/ ٣٢٨.
(٦) كذا ورد في "الحجة" ١/ ٣٢٨ والمراد أن الحرف الأول من فعل زاد يكون مكسورا إذ أسند هذا الفعل إلى تاء المتكلم أو المخاطب أو المخاطبة فتقول: زدتُ، زِدتَ، زِدتِ انظر "الكشف" ١/ ١٧٤.
(٧) الكلام بتصرف يسير من "الحجة" ١/ ٣٢٧، ٣٢٨.
(٨) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ١٢٢ - ١٢٣، و"تفسير البغوي" ١/ ٦٦، "تفسير ابن كثير" ١/ ٥٢.
(٩) المعنى صحيح فإن الله خالق كل شيء من الطاعات والكفر لكن السلف لم يستعملوا هذا اللفظ تأدبا مع الله تعالى انظر التعليق السابق عند تفسير قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلىَ قُلوُبِهِم [البقرة: ٧].
يخلق مرض (١) قلوبهم ما زادهم المرض ثانياً، وهو كقوله: وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود: ٥٢].
قال أبو إسحاق (٢): المرض (٣) في القلب يصلح لكل ما خرج به الإنسان عن الصحة في الدين (٤).
وقوله تعالى فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا (٥) أي بما أنزل من القرآن، فشكّوا فيه كما شكّوا في الذي قبله كقوله تعالى: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ الآية [التوبة: ١٢٤].
وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ. أصل العذاب في كلام العرب: من العذب، وهو المنع؛ يقال: عَذَبتَه عَذْبًا أي منعتَه مَنْعَا، فعَذَبَ عُذوبًا أي امتنع (٦)، ومنه يقال للفرس إذا قام في المِعْلف ولم يتناول العلف وامتنع عنه: عَذُوبٌ وعَاذِبٌ، ومنه الماء العَذْب؛ لأنه يمنع العطش (٧). فسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يَعْذُبُ المعاقب عن معاودة ما عوقب عليه، ويعذب
(٢) هو الزجاج.
(٣) (المرض) ساقط من (ب).
(٤) في (ب): (على).
(٥) كلام الزجاج: (وقوله: فَزَادهمُ الله مَرَضًا فيه جوابان قال بعضهم زادهم الله بكفرهم كما قال عز وجل: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء: ١٥٥] وقال بعض أهل اللغة: فزادهم الله بما أنزل عليهم من القرآن...)، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٥١.
(٦) انظر. "تهذيب اللغة" (عذب) ٣/ ٢٣٦٥، "تفسير الدر المصون" ١/ ١٧٨ "تفسير البيضاوي" ١/ ١٠.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (عذب) ٣/ ٢٣٦٤، "الصحاح" (عذب) ١/ ١٧٨، "تفسير الثعلبي" ١/ ٤٨ ب، "الكشاف" ١/ ١٦٤.
غيره (١) من أرتكاب مثله (٢).
وقوله تعالى: أَلِيمٌ الأليم بمعنى المؤلم (٣) كالسميع: بمعنى المسمع (٤)، وقال ذو الرمة (٥):
| وترفع (٦) من صدور شَمَرْدَلاتٍ | يصُكُّ وجوهَها وَهَجٌ (٧) أليمُ (٨) |
(٢) انظر: "مقاييس اللغة" (عذب) ٤/ ٢٦٠، "تفسير الثعلبي" ١/ ٤٨ ب، "الكشاف" ١/ ١٦٥، "تفسير البيضاوي" ١/ ١٠، "تفسير القرطبي" ١/ ١٧٢.
(٣) انظر. "تفسير الطبري" ١/ ١٢٣، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٥١، "تفسير أبي الليث" ١/ ٩٥.
(٤) في (أ)، (ج) (السمع) وأثبت ما في (ب).
(٥) هو غيلان بن عقبة من بني صعب بن مالك بن عدي بن عبد مناة، و (الرُّمَّة) بضم الراء وتشديد الميم: قطعة من الحبل الخلق، قيل إن مية لقبته بذلك، شاعر إسلامي عاصر جرير والفرزدق. انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص ٣٥٠، "وفيات الأعيان" ٤/ ١١، "الخزانة" ١/ ١٠٦.
(٦) كذا في (أ)، (ج) وفي (ب) محتملة ونحوه في "تفسير الطبري" وما عداه من المصادر فيها: (نرفع).
(٧) في (ب) (هجم).
(٨) قوله: الشمردلات الإبل الحسان الجميلة الخلق، يصك: يضرب، وهج أليم: شدة الحرارة، البيت في "ديوانه" ٢/ ٦٧٧، "مجاز القرآن" ١/ ٣٢ و"تفسير الطبري" ١/ ١٢٣، وفيه (يصد) بدل (يصك)، "تفسير القرطبي" ١/ ١٩٨، و"الدر المصون" ١/ ١٣٠.
(٩) هو عمرو بن معد يكرب، وفد على النبي - ﷺ - سنة تسع أو عشر، فأسلم، فارس مشهور، له وقائع في الجاهلية والإسلام، انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص ٢٣٥، "الإصابة" ٣/ ١٨، "الخزانة" ٢/ ٤٤٤.
أَمِنْ ريحانة الدَّاعي السَّميع (١)
أي: المسمع. ومعنى العذاب الأليم (٢): الذي يخلص وجعه إلى قلوبهم.
"قوله تعالى: بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ. (ما) في تأويل المصدر (٣) كأنه قيل: بكونهم مكذبين وبتكذيبهم. وسنذكر القول في ذلك عند قوله: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا [البقرة: ٢٨]، إن شاء الله.
وحقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة (٤)، كقول الأخطل (٥):
يؤرقني وأصحابي هجوع
وريحانة: أخت عمرو، وكان الصمة أبو دريد قد غزا بني زبيد وسباها، وغزاهم عمرو مرارًا ولم يقدر عليها، وقيل: ريحانة امرأة أراد أن يتزوجها فهو يشبب بها. البيت في "الشعر والشعراء" ص ٢٣٥، و"تفسير الطبري" ١/ ١٢٣، "معاني القرآن" للزجاج١/ ٥١، و"تفسير الثعلبي" ١/ ٥٠ أ، و"تفسير ابن عطية" ١/ ١٦٥، "الأصمعيات" ص ١٧٢، "البحر المحيط" ١/ ٥٩.
(٢) في (ب): (هو العذاب الذي...).
(٣) هذا على قول من يجعل لـ (كان) مصدرًا ومن لا يجيز ذلك يجعل ما بمعنى الذي وسيأتي للمسألة مزيد إيضاح عند قوله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا [البقرة: ٢٨]، وقد ذكر المذهبين الطبري في "تفسيره" ١/ ١٢٣، وأبو حيان في "البحر" ١/ ٦٠ والسمين الحلبي في "الدر المصون" ١/ ١٣٠.
(٤) قال أبو حيان: والكذب له محامل في لسان العرب، أحدها: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه. والثاني: الإخبار بالذي يشبه الكذب ولا يقصد به إلا الحق. والثالث: الخطأ. الرابع: البطول. الخامس: الإغراء بلزوم المخاطب الشيء المذكور. "البحر المحيط" ١/ ٦٠، وانظر: "الكشاف" ١/ ١٧٨، "الدر المصون" ١/ ١٣٢.
(٥) هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة التغلبي، الشاعر المشهور كان نصرانيًّا =
كَذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ (١)
كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته (٢).
وقرأ أهل الكوفة (٣) يَكْذِبُونَ بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: ٨] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [البقرة: ١٤] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان.
وأيضا فإن قوله تعالى وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعاً. فإن أراد المنافقين فقد (٤) قال فيهم: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) [المنافقون: ١].
وإن كانوا المشركين فقد قال: وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ [المؤمنون: ٩٠ - ٩١]. وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم (٥) أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف.
(١) البيت مطلع قصيدة للأخطل يهجو بها جريرا وقوله (كذبتك عينك): أي خيل إليك، وواسط: مكان بين البصرة والكوفة. البيت من شواهد سيبويه ٣/ ١٧٤. وورد في "المقتضب" ٣/ ٢٩٥، "تهذيب اللغة" (الكذب) ٤/ ٣١١٤، "مغنى اللبيب" ١/ ٤٥.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" (كذب) ٤/ ٣١١٤.
(٣) عاصم وحمزة والكسائي انظر "السبعة" لابن مجاهد ص ١٤٣، "الحجة" لأبي علي ١/ ٣٢٩، "الكشف" لمكي١/ ٢٢٧، و"تفسير الطبري" ١/ ١٢١ - ١٢٣.
(٤) في (أ)، (ج): (وقد) وأثبت ما في (ب) ومثله في "الحجة" ١/ ٣٣٨.
(٥) في (ب): (يلتزم).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي