قَوْلُهُ تَعَالَى : أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً ، (واو) العطفِ دَخلت عليها الألفُ ألفُ الاستفهامِ كما تدخلُ على الفاء في قَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ [الزخرف : ٤٠] أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ [الكهف : ٥٠]. وعلى (ثُمَّ) كقولهِ : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ [يونس : ٥١].
قرأ أبو السمَّالِ (أوْ كُلَّمَا) ساكنة الواو على النسق. و(كُلَّمَا) انتصبَ على الظرفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى : عَاهَدُواْ عَهْداً يعني اليهودَ. قال ابنُ عبَّاس :[لَمَّا ذكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَهُمْ مَا أخَذَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَمَا عَهِدَهُ إلَيْهِمْ فِيْهِ ؛ قَالَ مَالِكُ ابْنُ الْمُصْفِي : وَاللهِ مَا عُهِدَ إلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ عَهْداً وَلاَ مِيْثَاقاً. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ]. تُوَضِّحُهُ قراءةُ ابنِ رجاءٍ أبي العطارديِّ :(أوَكُلَّمَا عُوهِدُواْ عَهْداً) فجعلَهم مفعولين. ودليلُ هذا التأويلِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ [آل عمران : ١٨٧] الآية.
وقالَ بعضُهم : هو أن اليهودَ عاهَدُوا : لئِنْ خرجَ مُحَمَّدٌ لنؤمننَّ به ولنكوننَّ معه على مشرِكي العرب ونَنفُوهم من بلادهم. فلما بُعث نقضُوا العهدَ وكفروا به، دليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ [البقرة : ١٠١] أي طرحوهُ وراءَ ظهورهم. نَّبَذَهُ ؛ أي طرحَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ؛ أي طرحوهُ كأنَّهم لا يعلمون صِدْقَ ما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ؛ أي أنَّهم يعلمون ذلكَ ولكنَّهم تجاهلوهُ كأنَّهم لا يعلمونَ.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني