٦٥/ ٩] يعني جزاء دينها.
الرابع عشر- الشأن والفعل، قال الله تعالى: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [هود ١١/ ٩٧] أي فعله وشأنه، وقال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور ٢٤/ ٦٣] أي فعله.
التحذير من اتباع اليهود والنصارى
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١١٩ الى ١٢١]
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١)
الإعراب:
بَشِيراً حال من كاف أَرْسَلْناكَ ونَذِيراً عطف عليه وَلا تُسْئَلُ قرئ بالرفع على أن لا نافية، والجملة خبرية حال، وقرئ بالجزم تسأل على أن لا ناهية.
ما لَكَ مِنَ اللَّهِ فيه وجهان: أحدهما- أن يكون التقدير فيه: مالك من عذاب الله من ولي، والثاني- أن يكون المعنى: مالك الله وليا ولا نصيرا، والعرب تقول مثل هذا بحرف الجر، كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ [النحل ١٦/ ١٠] أي ماء لكم هو شراب.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ الَّذِينَ اسم موصول مبتدأ، وآتَيْناهُمُ صلته، ويَتْلُونَهُ جملة فعلية منصوبة على الحال من ضمير آتَيْناهُمُ.
وأُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ خبره. حَقَّ تِلاوَتِهِ منصوب على المصدر.
البلاغة:
أَصْحابِ الْجَحِيمِ التعبير عن الكافرين والمكذبين بذلك إيذان بأنه لا يرجى منهم الرجوع
هُوَ الْهُدى تعريف الهدى مع اقترانه بضمير الفصل يفيد قصر الهداية على دين الله، فهو قصر الصفة على الموصوف. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ من باب التهييج.
المفردات اللغوية:
الْجَحِيمِ النار: وهي جهنم، وأصحابها هم الكفار.
مِلَّتَهُمْ دينهم هُدَى اللَّهِ هو الإسلام وَلَئِنِ لام قسم مِنَ الْعِلْمِ الوحي من الله ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ يحفظك وَلا نَصِيرٍ يمنعك منه.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي بالكتاب المؤتى، بأن يحرفه الْخاسِرُونَ الهالكون.
سبب نزول الآيات (١١٩- ١٢١) :
قيل: نزلت في أبوي النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن الحديث مرسل غير ثابت.
وقال مقاتل فيما رواه بسنده: إن النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا»، فأنزل الله تعالى: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ
٣.
وأما الآية (١٢٠) : فقال المفسرون: إنهم كانوا يسألون النّبي صلّى الله عليه وسلّم الهدنة، ويطمعون أنه إذا هادنهم وأمهلهم اتبعوه ووافقوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال ابن عباس: هذا في القبلة، وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النّبي صلّى الله عليه وسلّم إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة، شق ذلك عليهم، فيئسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأما الآية (١٢١) : فقال ابن عباس في رواية عطاء والكلبي: نزلت في أصحاب السفينة الذين أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، كانوا أربعين رجلا من الحبشة وأهل الشام. وقال الضحاك: نزلت فيمن آمن من اليهود. وقال قتادة وعكرمة: نزلت في محمد صلّى الله عليه وسلّم.
المناسبة:
لمّا بيّن الله الآيات، ذكر من بينت على يديه، فأقبل عليه وخاطبه صلّى الله عليه وسلّم ليعلم أنه هو صاحب الآيات، وبعد إثبات الوحدانية أردفه بإثبات النبوة.
التفسير والبيان:
هذه الآية (١١٩) إيناس للنبي صلّى الله عليه وسلّم لئلا يضيق صدره، فهي تقرر له أنه أرسله للناس رسولا يبشر المؤمنين وينذر الكافرين، ويسعد الناس بالعقيدة المطابقة للواقع، وبالشرائع والأحكام التي تسعد الناس قاطبة، ويبشر من أطاعه بالجنة، وينذر من عصاه بالنار، وأن مهمته تبليغ الرسالة دون شيء بعدها، فلا حرج عليه إن أصروا على الكفر والعناد: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام ٦/ ٥٢] فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر ٣٥/ ٨] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف ١٨/ ٦].
ولا تسأل عن أصحاب النار، فلا يضرنك تكذيبهم لك، ولا تأس عليهم ولا تحزن، فأنت لم تبعث مكرها ولا جبارا، فتكون مقصرا إن لم يؤمنوا، بل بعثت معلما ومبلغا وهاديا بالحكمة والموعظة الحسنة، كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة ٢/ ٢٧٢].
وكان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يرجو أن يؤمن أهل الكتاب برسالته، لموافقتهم له في أصل الدين، من توحيد الله، وتقويم الاعوجاجات والتقاليد الفاسدة، فعز عليه إعراضهم عن إجابة دعوته، ولسان حالهم يقول: يا محمد مهما تأتنا من بينة، ومهما فعلت لإرضائنا، فلن نرضى حتى تتبع ملتنا.
والملة: هي الطريقة المشروعة للعباد، والكفر كله ملة واحدة، وتسمى دينا، لأن العباد انقادوا لمن سنها. وتسمى شريعة، لأنها مورد إلى ثواب الله ورحمته.
فرد الله عليهم: إن هدى الله ودينه الذي هو الإسلام والذي أنزله على الأنبياء هو الهدى الواجب اتباعه وحده، أما غيره فمبني على الهوى والشهوة، وهو ما أضافه إليه اليهود والنصارى، فإن اتبعت يا محمد أهواءهم، وما أضافوه إلى دينهم، بعد ما استقر في قلبك من اليقين والطمأنينة بالوحي الإلهي الذي نزل عليك، ومنه أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه بالتأويل، فالله لا ينصرك ولا يؤيدك، وإذا لم ينصرك الله ويتولاك، فمن ذا الذي ينصرك من بعده؟.
وفي هذا قطع الأمل للنبي عليه السلام في إسلامهم، لأن رضاهم عنه معلق بمستحيل: وهو اتباع ملتهم والدخول في دينهم.
وهذا الإنذار للنبي والوعيد هو في الحقيقة خطاب للناس كافة، ممثلين في شخص النّبي عليه الصلاة والسلام، لأنه الإمام والقائد والقدوة.
ثم استدرك الحق سبحانه على ما ذكر قبل، حتى لا ييأس النّبي صلّى الله عليه وسلّم يأسا دائما من إيمان أهل الكتاب، فأخبر بأن بعض الكتابيين يتلون التوراة تلاوة تدبر وإمعان، ويفهمها حق الفهم، ولا يتعصب تعصبا أعمى، ولا يحرفون ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا يبيع آخرته بدنياه، ويسأل الله الجنة، ويتعوذ من النار، فهؤلاء يدركون أن ما جئت به الحق، فيؤمنون بالتوراة دون تحريض، ومن يؤمن بها يؤمن بالقرآن والنبي، مثل عبد الله بن سلام وأشباهه، ومن يكفر بكتابه من المحرفين، فلا يؤمن بك أصلا، أولئك هم الهالكون، وكثير ما هم، وهم الذين خسروا سعادة الدنيا والآخرة، وحق عليهم العذاب، لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار؟! فالمقصود بكلمة الْكِتابَ التوراة، وقال قتادة: المقصود به القرآن، قال القرطبي: والآية تعم. وعلى كلا الحالين، المقصود بقوله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ: يتبعونه حق اتباعه، باتباع الأمر والنهي، فيحللون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعملون بما تضمنه.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن دين الله وتكاليفه يسر لا عسر، فهو يمتاز بشيئين أساسيين هما: التعقل والمنطق، والقيام بالواجب قدر الطاقة والوسع، دون إعنات ولا إرهاق. وليست مهمة الأنبياء لقسر الناس وإكراههم على الإيمان والاعتقاد الحق، وإنما هي محصورة بالتبليغ والبيان، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، والنّبي بعد التبليغ لا يكون مسئولا عنهم ولا مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار.
وإن المساومات الرخيصة على العقيدة الحقة لا تفيد شيئا، ولا تحقق هدفا.
وإن من يتمسك بدينه الأصلي حتى ولو كان من اليهود والنصارى فلا بد من أن يؤديه دينه الذي لم يبدله ولم يحرفه إلى الاستمساك بالقرآن والإقرار بنبوة محمد صلّى الله عليه وآله، وسلم: لأن دين الله في الأصل ذو جوهر واحد، وعباداته وشرائعه تلتقي عند غاية واحدة، وهي توحيد الإله والاعتراف بربوبيته، والأخلاق والفضائل الإنسانية الصحيحة لا يختلف فيها اثنان. وليس غرض اليهود والنصارى بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتاهم بكل ما يسألون عنه لم يرضوا عنه، وإنما يرضيهم ترك ما هو عليه من الإسلام، واتباعهم.
وفي كل ذلك عبرة للأجيال، كما قال تعالى: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف ١٢/ ١١١]. وإن تلاوة كتاب الله ينبغي أن تكون بتدبر وفهم وإمعان، لا لمجرد التلاوة، كما قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد ٤٧/ ٢٤] وقال: لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص ٣٨/ ٢٩].
والفائدة المنشودة من القرآن هي العمل به، فهو كما ثبت
في الحديث الصحيح: «والقرآن حجة لك أو عليك»
ومن يتلو القرآن، وهو معرض عن آياته والعمل به، يكون كالمستهزئ بربه. أما الأمي فعليه سؤال العلماء لشرح
معنى القرآن، وإفهامه مراده: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل ١٦/ ٤٣].
هذا.. وقد استدل بالآية (١٢٠) أبو حنيفة والشافعي وداود الظاهري وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى: مِلَّتَهُمْ فوحد الملة، وبقوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون ١٠٩/ ٦]،
وبقوله عليه السلام: «لا يتوارث أهل ملتين شتى»
على أن المراد به الإسلام والكفر، بدليل
قوله عليه السّلام: «لا يرث المسلم الكافر».
وذهب الإمام مالك، وأحمد في الرواية الأخرى: إلى أن الكفر ملل، فلا يرث اليهودي النصراني، ولا يرثان المجوسي، أخذا بظاهر قوله عليه السّلام:
«لا يتوارث أهل ملتين». وأما قوله تعالى: مِلَّتَهُمْ فالمراد به الكثرة، وإن كانت موحدة في اللفظ، بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة، كما تقول: أخذت عن علماء أهل المدينة- مثلا- علمهم، وسمعت عليهم حديثهم، يعني علومهم وأحاديثهم.
والخطاب في قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ إما للرسول، لتوجه الخطاب إليه، وإما للرسول، والمراد به أمته. وإذا كان الرسول هو المخاطب فأمته أولى، لأن منزلتهم دون منزلته.
وسبب الآية: أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدنة، ويعدون النّبي صلّى الله عليه وسلّم بالإسلام، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، وأمره بجهادهم.
واستدل الإمام أحمد بقوله: مِنَ الْعِلْمِ على كفر من اعتقد أن القرآن مخلوق، فإنه سئل عمن يقول: القرآن مخلوق، فقال: كافر، قيل: بم كفّرته؟
فقال: بآيات من الله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [الرعد ١٣/ ٣٧] والقرآن من علم الله، فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي