أَنِسُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ضَعْفًا فِي الْحَقِّ، كَأَنْ تَرَكُوا الْجَهْرَ بِهِ أَوِ الدِّفَاعَ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ إِنْكَارِ الْعَامَّةِ عَلَيْهِمْ وَلَغَطِ النَّاسِ بِهِمْ، فَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَعَرَفَ
أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - وَلِيُّ أَهْلِهِ وَنَاصِرُهُمْ، لَا يَخَافُ فِي تَأْيِيدِهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَلَا يَغْتَرَّنَّ أَحَدٌ بِمَنْ يُسَمِّيهِمُ النَّاسُ عُلَمَاءَ وَعَارِفِينَ فِي سُكُوتِهِمْ عَنِ الْحَقِّ، وَمُجَارَاتِهِمْ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْعِلْمِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِنْ هِيَ إِلَّا كَلِمَاتٌ يَتَلَقَّفُونَهَا وَعَادَاتٌ يَتَقَلَّدُونَهَا، لَا حُجَّةَ لِلْأَحْيَاءِ فِيهَا سِوَى قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَيِّتِينَ دَرَجُوا عَلَيْهَا.
(قَالَ) : وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْعِلْمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَانَ يُلَقَّبُ بِالْعِلْمِ عِنْدَ الضَّالِّينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ كَذَلِكَ، وَقَدْ نُفِيَ عَنْهُ كَوْنُهُ عِلْمًا عَلَى الْحَقِيقَةِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) (٥٣: ٢٣) وَبِقَوْلِهِ: (لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (٢: ٧٨) فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ الْقَائِلِينَ، وَاتَّبَعَ مَا وَجَدَ عَلَيْهِ السَّابِقِينَ، بِدُونِ بَيِّنَةٍ يَعْرِفُ بِهَا وَجْهَ الْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ، وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يَنْظُرُ فِيهِ وَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ، فَقَدِ اتَّبَعَ الْهَوَى بَعْدَ الَّذِي جَاءَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَاءَ بِالْخِزْيِ فِي الدُّنْيَا، وَبِالنَّكَالِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ وَلَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ اللهِ وَلِيٌّ وَلَا نَصِيرٌ، اللهُمَّ أَعِنَّا عَلَى الْجَهْرِ بِالْحَقِّ بَعْدَ مَا عَرَفْنَاهُ، وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا.
(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)
الصِّلَةُ بَيْنَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) الْآيَةَ، وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَاضِحَةٌ جَلِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ هَذِهِ جَاءَتْ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِدْرَاكِ عَلَى مَا سَبَقَهَا مِنْ إِيئَاسِ النَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ آيَةَ: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى) قَدْ سَلَّتْ مَا كَانَ يُخَالِجُ النُّفُوسَ مِنَ الرَّجَاءِ بِإِيْمَانِ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ، وَهَذِهِ الْآيَةُ تَنْطِقُ بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُرْجَى إِيْمَانُهُ، وَهُمُ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِمَا هُوَ عِلَّةُ الرَّجَاءِ وَمَنَاطُ
الْأَمَلِ، وَهُوَ تِلَاوَةُ كِتَابِهِمْ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَعَدَمُ الْجُمُودِ عَلَى الظَّوَاهِرِ وَالتَّقَالِيدِ، وَالِاكْتِفَاءِ بِالْأَمَانِيِّ وَالظُّنُونِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنْ كَانَتْ نَفْسُكَ
تُحَدِّثُكَ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ أَقْرَبُ إِلَى الْإِيْمَانِ بِمَا جِئْتَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ مَا عِنْدَهُمْ وَيُصَدِّقُ أَنْبِيَاءَهُمْ وَأُصُولَ شَرَائِعِهِمْ مِنْ حَيْثُ يَقْتَلِعُ جُذُورَ دِينِ الْوَثَنِيِّينَ وَيَمْحُوهُ مَحْوًا، فَيَكُونُ الْوَثَنِيُّونَ أَجْدَرَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمُعَانَدَتِكَ وُمُجَاحَدَتِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ أَلْحَقُوا بِدِينِهِمْ مِنَ التَّقَالِيدِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ، وَأَلْصَقُوا بِهِ مِنَ الْبِدَعِ وَالْعَادَاتِ مَا غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ بِغَيْرِ فَهْمٍ، وَجَعَلَهُمْ يَتَعَصَّبُونَ لَهُ بِغَيْرِ عَقْلٍ، فَكَانُوا بِذَلِكَ أَبْعَدَ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيْمَانِ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا الدِّينَ جِنْسِيَّةً فَلَيْسَ لَهُمْ مِنْهُ إِلَّا الْجُمُودُ عَلَى عَادَاتٍ صَارَتْ مُمَيِّزَةً لِلْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَزَالُ فِيهِمْ نَفَرٌ يُرْجَى مِنْهُمْ تَدَبُّرُ الشَّيْءِ وَالتَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَهُمُ (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) وَهُمْ (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ)، أَيْ يَفْهَمُونَ أَسْرَارَهُ وَيَفْقَهُونَ حِكْمَةَ تَشْرِيعِهِ. وَفَائِدَةَ نَوْطِ التَّكْلِيفِ بِهِ، لَا يَتَقَيَّدُونَ فِي ذَلِكَ بِآرَاءِ مَنْ سَبَقَهُمْ فِيهِ، وَلَا بِتَحْرِيفِهِمْ كَلِمَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ، (أُولَئِكَ) هُمُ الَّذِينَ يُقَدِّرُونَ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ التَّرَقِّي فِي الدِّينِ، وَإِقَامَةِ قَوَاعِدِهِ عَلَى الْأَسَاسِ الْمَتِينِ، وَ (يُؤْمِنُونَ بِهِ) بَعْدَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي يُزِيلُ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْخِلَافِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى طَرِيقِ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) مِنَ الرُّؤَسَاءِ الْمُعَانِدِينَ وَالْمُقَلِّدِينَ الْجَاهِلِينَ وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) لِهَذِهِ السَّعَادَةِ، الْمَحْرُومُونَ مِمَّا يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْمَجْدِ وَالسِّيَادَةِ، سَوَاءً كَانَ كُفْرُهُمْ بِتَحْرِيفِهِ لَيُوَافِقُ مَذَاهِبَهُمُ التَّقْلِيدِيَّةَ، أَمْ بِإِهْمَالِهِ اكْتِفَاءً بِقَوْلِ عُلَمَائِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (بِهِ) لِلْهُدَى الَّذِي ذُكِرَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ.
(الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ) : عَبَّرَ عَنِ التَّدَبُّرِ وَالْفَهْمِ بِالتِّلَاوَةِ حَقَّ التِّلَاوَةِ لِيُرْشِدَنَا إِلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ التِّلَاوَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ مَعَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، وَالتَّعْبِيرُ يُشْعِرُ بِأَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَكَمَ بِنَفْيِ رِضَاهُمْ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْيًا مُؤَكَّدًا لَا حَظَّ لَهُمْ مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا مُجَرَّدَ التِّلَاوَةِ وَتَحْرِيكِ اللِّسَانِ بِالْأَلْفَاظِ، لَا يَعْقِلُونَ عَقَائِدَهُ، وَلَا يَتَدَبَّرُونَ حِكَمَهُ وَمَوَاعِظَهُ، وَلَا يَفْقَهُونَ أَحْكَامَهُ وَشَرَائِعَهُ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِتَقْلِيدِ بَعْضِ الرُّؤَسَاءِ وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا يَقُولُونَ، فَلَا عَجَبَ إِذَا أَعْرَضُوا عَمَّا جَاءَ بِهِ
النَّبِيُّ وَلَا ضَرَرَ فِي إِعْرَاضِهِمْ.
وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَإِنَّهُمْ لِتَدَبُّرِهِمْ وَفَهْمِهِمْ أَسْرَارَ الدِّينِ، وَعِلْمِهِمْ بِوُجُوبِ مُطَابَقَتِهَا لِمَصَالِحِ الْمُكَلَّفِينَ، يَعْقِلُونَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ مَصْلَحَةِ الْبَشَرِ فِي تَرْقِيَةِ أَرْوَاحِهِمْ، وَفِي نِظَامِ مَعَايِشِهِمْ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِإِيْمَانِ أَمْثَالِهِمْ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ أَفَادَ حُكْمًا جَدِيدًا وَإِرْشَادًا عَظِيمًا، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَتْلُو الْكِتَابَ لِمُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، فَلَا حَظَّ لَهُ مِنَ الْإِيْمَانِ بِالْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ أَسْرَارَهُ وَلَا يَعْرِفُ هِدَايَةَ اللهِ فِيهِ. وَقِرَاءَةُ الْأَلْفَاظِ لَا تُفِيدُ الْهِدَايَةَ وَإِنْ كَانَ الْقَارِئُ يَفْهَمُ
مَدْلُولَاتِهَا كَمَا يَقُولُ الْمُفَسِّرُ وَالْمُعَلِّمُ لَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْفَهْمَ مِنْ قَبِيلِ التَّصَوُّرِ، وَمَا التَّصَوُّرُ إِلَّا خَيَالٌ يَلُوحُ وَيَتَرَاءَى ثُمَّ يَغِيبُ وَيَتَنَاءَى، وَإِنَّمَا الْفَهْمُ فَهْمُ التَّصْدِيقِ وَالْإِذْعَانِ مِمَنْ يَتَدَبَّرُ الْكِتَابَ مُسْتَهْدِيًا مُسْتَرْشِدًا مُلَاحِظًا أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهِ مِنَ اللهِ - تَعَالَى - لِيَأْخُذَ بِهِ فَيَهْتَدِي وَيَرْشَدُ، وَالْمُقَلِّدُونَ مَحْرُومُونَ مِنْ هَذَا فَلَا يَخْطُرُ لَهُمْ بِبَالٍ أَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِالِاهْتِدَاءِ بِكِتَابِ اللهِ - تَعَالَى -، وَإِنَّمَا الْهِدَايَةُ عِنْدَهُمْ مَحْصُورَةٌ فِي كَلَامِ رُؤَسَائِهِمُ الدِّينِيِّينَ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانُوا مَيِّتِينَ.
وَإِذَا كُنَّا نَعْتَبِرُ بِمَا قَصَّ اللهُ - تَعَالَى - عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا قَالَ: (لَقَدْ
كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (١٢: ١١١) فَإِنَّنَا نَعْرِفُ حُكْمَ أَهْلِ الْقُرْآنِ عِنْدَهُ - تَعَالَى - مِمَّا ذَكَرَهُ عَنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، كَمَا نَعْرِفُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (٤٧: ٢٤ (وَقَوْلِهِ: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ) (٣٨: ٢٩) فَكُلُّ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ لَمْ تَحُلْ دُونَ اتِّبَاعِ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَنَنَ مَنْ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ كَمَا أُنْبِئَتْ لِلتَّحْذِيرِ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ عَلَيْهَا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ((وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ)) (٢) وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ يَتْلُو أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ هِدَايَتِهِ غَيْرُ مُعْتَبِرٍ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَهُوَ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ.
سَأَلَ سَائِلٌ مِنَ الْمُقَلِّدِينَ حَاضِرِي الدَّرْسِ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا: إِنَّ الْقُرْآنَ يُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: نَعَمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا إِنَّهُ أُنْزِلَ لِذَلِكَ وَكَيْفَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وَاللهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ يَقُولُ إِنَّهُ أَنْزَلَهُ: (لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ) (٣٨: ٢٩)، فَالْقُرْآنُ وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ يُصَرِّحَانِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بِخِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ إِذَا أُخِذَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَجُعِلَ مَعْنَاهُ - أَوْ مِنْ مَعْنَاهُ - أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - يُطَالِبُ عِبَادَهُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ وَلَا تَذَكُّرٍ. وَقَدْ جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يَصِفُ حَالَ قَوْمٍ يَأْتُونَ بَعْدُ ((يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِرُ تَرَاقِيَهُمْ)) وَقَدْ سَمَّاهُمْ شِرَارَ الْخَلْقِ، فَهَؤُلَاءِ الْأَشْرَارُ قَدِ اتَّخَذُوا الْقُرْآنَ مِنَ الْأَغَانِي وَالْمُطْرِبَاتِ، وَإِذَا طَالَبْتَ أَحَدَهُمْ بِالْفَهْمِ وَالتَّدَبُّرِ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ وَاحْتَجَّ عَلَيْكَ بِكَلِمَةٍ قَالَهَا فَلَانٌ أَوْ حُلْمٍ رَآهُ فُلَانٌ، وَهَكَذَا انْقَلَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ
وَضْعُ الدِّينِ، ثُمَّ هُمْ يَتَعَجَّبُونَ مَعَ ذَلِكَ كَيْفَ حُرِمُوا مِنْ وَعْدِ اللهِ فِي قَوْلِهِ: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (٣٠: ٤٧) (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (٢٣: ٦٨، ٦٩)، وَضَرَبَ الْأُسْتَاذُ مَثَلًا رَجُلًا يُرْسِلُ كِتَابًا إِلَى آخَرَ فَيَقْرَؤُهُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ هَذْرَمَةً أَوْ يَتَرَنَّمُ بِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَعْنَاهُ، وَلَا يُكَلِّفُ نَفْسَهُ إِجَابَةَ مَا طَلَبَ فِيهِ، ثُمَّ يَسْأَلُ الرَّسُولَ أَوْ غَيْرَهُ: مَاذَا قَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ فِيهِ، وَمَاذَا يُرِيدُ مِنْهُ؟ أَيَرْضَى الْمُرْسِلُ مِنَ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ بِهَذَا أَمْ يَرَاهُ اسْتِهْزَاءً بِهِ؟ فَالْمَثَلُ ظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لَا يُقَاسُ عَلَى الْخَلْقِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ لَا يُرْسَلُ لِأَجْلِ وَرَقِهِ، وَلَا لِأَجْلِ نُقُوشِهِ،
وَلَا لِأَجْلِ أَنْ تُكَيِّفَ الْأَصْوَاتُ حُرُوفَهُ وَكَلِمَهُ، وَلَكِنْ لِيَعْلَمَ مُرَادَ الْمُرْسَلِ مِنْهُ وَيَعْمَلَ بِهِ.
(الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ) : إِنَّ الِاسْتِهْدَاءَ بِالْقُرْآنِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَعَلَى كُلِّ قَارِئٍ أَنْ يَتْلُوَ الْقُرْآنَ بِالتَّدَبُّرِ، وَأَنْ يُطَالِبَ نَفْسَهُ بِفَهْمِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ - وَلَوْ قَلِيلَةً - بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَفْهَمُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا يَهْتَدِي بِهِ، وَمَنْ كَانَ أُمِّيًّا أَوْ أَعْجَمِيًّا فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْقَارِئِينَ أَنْ يَقْرَءُوا لَهُ الْقُرْآنَ وَيُفْهِمُوهُ مَعْنَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا فِي مُقَدِّمَةِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. بَلْ قَالَ الْأُسْتَاذُ فِي هَذَا الْمَقَامِ: إِنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ أَوْ يَسْمَعَهُ كُلَّهُ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي عُمُرِهِ، وَمِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ أَنْ يَأْمَنَ مِنْ إِنْكَارِ شَيْءٍ مِنْهُ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ أَوْ سَمِعَهُ مَعَ التَّشْكِيكِ فِيهِ.
أَقَامَ اللهُ - تَعَالَى - الْحُجَجَ الدَّامِغَةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ ثُمَّ نَادَاهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى تَرْكِ أَسْبَابِ الْغُرُورِ الْمَانِعِ فِي الْإِيْمَانِ فَقَالَ: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وَقَدْ سَبَقَ التَّذْكِيرُ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ فِي أَوَّلِ الْمُحَاجَّةِ ثُمَّ أُعِيدَ هُنَا لِلْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ أَنَّهُ بَعْدَ مَا ذَكَرَ أَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْ تَدَبُّرِ الْكِتَابِ وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ هُوَ كُفْرٌ بِهِ، ذَكَّرَهُمْ بِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِمَنْ كَرَّمَهُ رَبُّهُ، وَفَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الشُّعُوبِ بِإِيتَائِهِ الْكِتَابَ أَنْ يَكُونَ حَظُّهُ مِنْهُ كَحَظِّ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. فَإِذَا كَانَ ابْتَدَأَ الْعِظَةَ وَالدَّعْوَةَ بِذِكْرِ هَذَا التَّفْضِيلِ لِتَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا الْأَنْظَارُ، وَتُصْغِيَ إِلَيْهَا الْأَسْمَاعُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ الْأُولَى (٢: ٤٧) فَلَا غَرْوَ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا التَّفْضِيلَ
تفسير المنار
محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني