واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا
المعنى الجملي
هذه الآيات سيقت استدراكا على ما قبلها، فإن ما تقدم كان تيئيسا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من إيمان أهل الكتاب وسلب ما كان يخالج نفوسهم من الرجاء، وهنا أرشد إلى أن فريقا منهم يرجى إيمانهم وهم الذين يتدبرون كتابهم ويميزون بين الحق والباطل ويفهمون أسرار الدين ويعلمون أن ما جئت به هو الحق الذي يتفق مع مصالح البشر، فهو الذي يهذب نفوسهم، ويصفي أرواحهم، وينظم معايشهم، وبه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
وبعد أن أقام عليهم الحجة دعاهم وناداهم وطلب إليهم أن يتركوا الغرور المانع لهم من الإيمان، إذ لا ينبغي لمن كرمه الله وفضله على غيره من الشعوب أن يكون حظه من كتابه كحظ الحمار يحمل أسفارا
الإيضاح :
تقول جزى عني هذا الأمر يجزى كما تقول قضى يقضي، زنة ومعنى، أي واتقوا يا معشر بني إسرائيل المبدلين كتابي، المحرفين له عن وجهه، المكذبين برسولي محمد صلى الله عليه وسلم – عذاب يوم لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئا من الحقوق التي لزمتها، فلا تؤخذ نفس بذنب أخرى، ولا تدفع عنها شيئا كما ورد في الصحيحين " يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا ".
ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة العدل الفدية : أي لا يؤخذ من نفس فدية تنجو بها من النار، إذ هي لا تجد لتفتدي به، ولا يشفع فيما وجب عليها من حق شافع، وقد كانوا يعتقدون بالمكفرات تؤخذ فدية عما فرطوا فيه، وبشفاعة أنبيائهم لهم، فأخبرهم الله أنه لا يقوم مقام الاهتداء به شيء آخر.
ولا هم ينصرون أي إنه لا يأتيهم ناصر ينصرهم فيمنع عذاب الله عنهم إذا نزل بهم.
وهذا ترهيب لمن سلفت عظتهم في الآية قبلها.
تفسير المراغي
المراغي