قوله تعالى : واتقوا يوماً : سبق الكلام على نظيرها.
قوله تعالى : لا تجزي نفس عن نفس شيئاً أي لا تغني نفس عن نفس شيئاً ؛ فليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئاً ؛ لا تقولوا : لنا آباء مفضلون على العالمين، وسَنَسْلَم بهم من النار، أو من عذاب هذا اليوم ؛ و شيئاً نكرة في سياق النفي، فتعم أيّ شيء ؛ ولا يرد على هذا الشفاعة الشرعية التي ثبتت بها السُّنة ؛ فإن هذه الآية مخصوصة بها.
قوله تعالى : ولا يُقبَل منها أي من النفس ؛ والذي يَقبل، أو يَردّ هو الله سبحانه وتعالى ؛ و عدل أي ما يعدل به العذاب عن نفسه وهو الفداء ؛ ف «العدل » معناه الشيء المعادِل، كما قال الله تبارك وتعالى : أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره [ المائدة : ٩٥ ] أي ما يعادله من الصيام ؛ وهنا : لو أتت بالفداء لا يقبل.
قوله تعالى : ولا تنفعها شفاعة ؛ «الشفاعة » هي التوسط للغير بدفع مضرة، أو جلب منفعة ؛ سميت بذلك ؛ لأن الشافع إذا انضم إلى المشفوع له، صار شِفعاً بعد أن كان وتراً ؛ فالشفاعة لأهل النار أن يخرجوا منها : شفاعة لدفع مضرة ؛ والشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة ؛ شفاعة في جلب منفعة.
قوله تعالى : ولا هم ينصرون : مع أن السياق يرجع إلى مفرد في قوله تعالى : نفس عن نفس ، وقوله تعالى : ولا يقبل منها ، وقوله تعالى : ولا تنفعها ؛ جاء الكلام هنا بصيغة الجمع باعتبار المعنى ؛ لأن قوله تعالى : لا تجزي نفس عن نفس للعموم ؛ والعموم يدل على الجمع، والكثرة ؛ ثم إن هنا مناسبة لفظية ؛ وهي مراعاة فواصل الآيات ؛ ومراعاة الفواصل أمر ورد به القرآن حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل، كما في قوله تعالى في سورة طه ؛ قالوا آمنا برب العالمين * رب هارون وموسى [ الشعراء : ٤٧، ٤٨ ] ؛ لأن سورة طه كلها على فاصلة ألف إلا بعض الآيات القليلة ؛ فمراعاة الفواصل إذاً من بلاغة القرآن.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : إثبات يوم القيامة، وأن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه.
٢ ومنها : أن ذلك اليوم لا تغني نفس عن نفس شيئاً ؛ حتى الوالد لا يجزي عن ولده شيئاً ؛ ولا المولود يجزي عن والده شيئاً، كما قال تعالى : يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً .
٣ ومنها : أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل ؛ قال تعالى : إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم .
٤ ومنها : ثبوت أصل الشفاعة في ذلك اليوم ؛ لقوله تعالى : لا تنفعها شفاعة ؛ وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الموقف أن يُقضى بينهم١، وأنه ( ص ) يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار٢ ؛ وفيمن دخل النار أن يخرج منها٣ ؛ فعلى هذا يكون العموم في قوله تعالى : ولا تنفعها شفاعة مخصوصاً بما ثبتت به السنة من الشفاعة.
٥ ومنها : أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة ؛ لقوله تعالى في آية أخرى : فما تنفعهم شفاعة الشافعين [ المدثر : ٤٨ ].
٦ ومنها : أنه لا ينصر أحد أحداً من عذاب الله ؛ لقوله تعالى : ولا هم ينصرون .
٢ راجع حاشية رقم ٢، ١/١٧٣..
٣ راجع حاشية رقم ٣، ١/١٧٣..
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي