والمقصود من تلاوة كتاب الله حق التلاوة: اتباعه حق الاتباع، كما بينا، قال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة، وقال الحسن البصري: هم الذين يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه.
تذكير بالنعمة وتخويف من الآخرة
[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٣]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)
المفردات اللغوية
وَاتَّقُوا خافوا لا تَجْزِي تغني عَدْلٌ فداء وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يمنعون من عذاب الله.
التفسير والبيان:
يكرر المولى سبحانه للتأكيد تذكير اليهود بالنعم التي أنعم الله بها عليهم، لتجديد ثقتهم ونشاطهم، وتشجيعهم وحفز هممهم، وبعث نفوسهم على الإيمان وحثهم على اتباع النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم، ثم قرن الله تعالى بالعظة والتذكير التخويف من حساب يوم القيامة.
ففي الآية الأولى يعظ الله اليهود الذين كانوا في عصر التنزيل، ويذكرهم بالنعم الكثيرة الدنيوية والدينية التي أنعم بها على آبائهم، بإنقاذهم من أيدي عدوهم، وإنزاله المن والسلوى عليهم، وتمكينهم في البلاد بعد المذلة والقهر، وإرساله الرسل منهم، وتفضيلهم على عالمي زمانهم، حين كانوا مطيعين للرسل،
مصدقين لما جاءهم من عند ربهم، حتى يتركوا ضلالهم، ويثوبوا إلى رشدهم. ومن أجل النعم التوراة المنزلة عليهم، فمن شكر النعمة وآمن بجميع ما فيها، آمن بالنبي صلّى الله عليه وسلّم المبشر به فيها.
وفي الآية الثانية يحذرهم الله من عذاب يوم القيامة بسبب تحريف التوراة، والتكذيب برسول الله محمد صلّى الله عليه وسلّم، ذلك اليوم الذي لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئا من الحقوق التي لزمتها، فلا تؤاخذ نفس بذنب أخرى، ولا تدفع عنها شيئا، ولا يؤخذ منها فدية تنجو بها من النار، ولا يشفع بما يجب عليها شافع، ولا ناصر ينصرهم، فيمنع عنهم عذاب الله.
فقه الحياة أو الأحكام:
تؤكد هذه الآية ما جاء في صدر السورة، لحث اليهود وغيرهم على اتباع الرسول النبي الأمي المطابقة صفته لما في التوراة، وتأمرهم ببواعث الإيمان: وهي تذكر النعم الدينية والدنيوية التي أنعم الله بها على آبائهم، والإقلاع عن حسد بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال خاتم النبيين منهم، وألا يحملهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه.
فإن أبوا فإن مصيرهم المحتوم هو الحساب الشديد يوم القيام، المحقق الوقوع والنتيجة أو الأثر وهو العقاب، دون أن ينفع الوسطاء أو الشفعاء، والبدل أو الفداء، والنصر أو المنع من العذاب، ويكون كل امرئ مسئولا عن نفسه، ولا يسأل أحد عن غيره، كما قال تعالى: كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [الطور ٥٢/ ٢١] وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام ٦/ ١٦٤].
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي