ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

عندما تأتي قالوا فمعناها إن الذين قالوا جماعة.. الذين قالوا هم اليهود والنصارى. ولكن كلا منهم قال قولا مختلفا عن الآخر.. قالت اليهود كونوا هودا. وقالت النصارى كونوا نصارى..
ونحن عندنا عناصر ثلاثة: اليهود والنصارى والمشركون. ويقابل كل هؤلاء المؤمنون.. وَقَالُواْ كُونُواْ من المقصود بالخطاب؟ المؤمنين.. أو قد يكون المعنى وقالت اليهود للمؤمنين والمشركين والنصارى كونوا هودا.. وقالت النصارى لليهود والمشركين والمؤمنين كونوا نصارى.. لأن كل واحد منهما لا يرى الخير إلا في نفسه.. ولكن الإسلام جاء وأخذ من اليهودية موسى وتوراته الصحيحة، وأخذ من المسيحية عيسى وإنجيله الصحيح.. وكل ما جاء به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ومعنى ذلك أن الإسلام أخذ وحدة الصفقة الإيمانية المعقودة بين الله سبحانه وبين كل مؤمن.. ولذلك تجد في القرآن الكريم قوله تعالى: لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥]
ونلاحظ أن المشركين لم يدخلوا في القول لأنهم ليسوا أهل كتاب.

صفحة رقم 605

قوله تعالى: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً.. أي رد عليهم، والخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأنني سأكون تابعا لدين إبراهيم وهو الحنيفية.. وهم لا يمكن أن يخالفوا في إبراهيم فاليهود اعتبروه نبيا من أنبيائهم.. والنصارى اعتبروه نبيا من أنبيائهم ولم ينفوا عنه النبوة ولكن كلا منهم أراد أن ينسبه لنفسه.
ما معنى حنيفا؟ إن الاشتقاقات اللفظية لابد أن يكون لها علاقة بالمعنى اللغوي.. الحنف ميل في القدمين أن تميل قدم إلى أخرى.. هو تقوس في القدمين فتميل القدم اليمنى إلى اليسار أو اليسرى إلى اليمين هذا هو الحنف.. ولكن كيف يؤتي بلفظ يدل على العوج ويجعله رمزا للصراط المستقيم؟.
لقد قلنا إن الرسل لا يأتون إلا عندما تعم الغفلة منهج الله.. لأنه مادام وجد من أتباع الرسول من يدعو إلى منهجه ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يكون هناك خير.
النفس البشرية لها ألوان.. فهناك النفس اللوامة تصنع شرا مرة فيأتي من داخل النفس ما يستنكر هذا الشر فتعود إلى الخير.. ولكن هناك النفس الأمارة بالسوء وهي التي لا تعيش إلا في الشر تأمر به وتغري الآخرين بفعله.. إذا فسد المجتمع وأصبحت النفوس أمارة بالسوء ينطبق عليها قول الحق سبحانه: كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة: ٧٩]
تتدخل السماء برسول يعالج اعوجاج المجتمع.. ولكن الله تبارك وتعالى وضع عنصر الخيرية في أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى قيام الساعة.
قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون
[آل عمران: ١١٠]

صفحة رقم 606

إذن فقد ائتمن الله تبارك وتعالى أمة محمد على المنهج.. ومادام فيها من يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فلن يأتي رسول بعد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
نعود إلى قوله تعالى حنيفا.. قلنا إن الحنف هو الاعوجاج.. ونقول إن الاعوجاج عن المعوج اعتدال.. والرسل لا يأتون إلا بعد اعوجاج كامل في المجتمع.. ليصرفوا الناس عن الاعوجاج القائم فيميلون إلى الاعتدال.. لأن مخالفة الاعوجاج اعتدال..
وقوله تعالى: «حنيفا» تذكرنا بنعمة الله على الوجود كله لأنه يصحح غفلة البشر عن منهج الله ويأخذ الناس من الاعوجاج الموجود إلى الاعتدال.. والهداية عند اليهود والنصارى مفهومها تحقيق شهوات نفوسهم لأن بشرا يهدي بشرا.. والله سبحانه وتعالى قال: وَلَنْ ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: ١٢٠]
ولقد تعايش رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في المدينة مع اليهود ولكنهم حاربوه ولم يرضوا عنه.. وإبراهيم عليه السلام كان مؤمنا حقا ولم يكن مشركا..

صفحة رقم 607

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

محمد متولي الشعراوي

الناشر مطابع أخبار اليوم
سنة النشر 1991
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية