عن الناعق للجبل اختصاص؛ لأن الصدى إنما يجيب من الجبل، فلهذا كان نفي السمع عن الناعق في هذا القول، أولى من نفيه عن المنعوق به، ولأنه أَلْغى (إلا)، وهو شاذ قليل في الاستعمال، ومهما أمكن استعمال حرف في معنى، أولى من إلغائه (١). وجمهور أهل التأويل على ما ذكرنا أولًا؛ لأن المشهور في كلام العرب أن النعيقَ صوتُ الراعي بالغنم، فإن حمل على غيره من الأصوات لم يكن حقيقة فيه.
١٧٢ - وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ قال المفسرون: هذا أمرُ إباحةٍ لا ندبٍ، ولا إيجابٍ (٢)، وأراد بالطيبات: الحلالات من الحرث والنعم وما حرمه المشركون على أنفسهم منها (٣)، وذكرنا لم سُمّي الحلال طيبًا.
وقوله تعالى: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أراد: إن كانت العبادة لله واجبة عليكم بأنه إلهكم، فالشكر له واجب بأنه محسن إليكم، فمعنى الشرط هاهنا: المظاهرة في الحجاج (٤).
١٧٣ - ثم بين أن المحرَّم ما هو (٥)، فقال عز من قائل: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ الآية. إِنَّمَا تكون على وجهين (٦):
(٢) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٥١، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٩٨.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٨٣، والثعلبي ١/ ١٣٤٠.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٨٣
(٥) سقطت: (هو) في (ش).
(٦) ينظر في (إنما) وإعرابها: "تفسير الطبري" ٢/ ٨٤، "الكتاب" لسيبويه ٢/ ١٣٨، و٣/ ١١٦ - ١٣١، "التبيان" ١/ ١٤٠ - ١٤١.
أحدهما: أن تكون حرفًا واحدًا، وما بعده من الأفعال يكون عاملًا في الأسماء على حسب عمله، فتقول: إنما دخلت دارَك، وإنما أعجبتني دارُك، وإنما مالي مالُك.
والوجه الآخر: أن تكون حرفين: ما منفصلة عن إنّ، وتكون بمعنى الذي (١)، وإذا (٢) كان كذلك وصلتها بما توصل به (الذي)، ثم ترفع الاسم الذي يأتي بعد الصلة، كقولك: إنّ ما أخذت مالُك، وإنّ ما ركبتُ دابتُك، وفي التنزيل كثيرًا ما أتى على الوجهين:
كقوله (٣): إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء: ١٧١]، إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ [هود: ١٢]، فهذه حرفٌ واحد؛ لأن (الذي) لا يصلح في موضع (ما). وأما التي (٤) في مذهب (الذي) فقوله: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ [طه: ٦٩]، ولو نصب كيدَ ساحر على أن تجعل (إنما) حرفًا واحدًا كان صوابًا، وقوله تعالى: وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ [العنكبوت: ٢٥]، تنصب المودة وترفع، على ما ذكرنا من الوجهين، هذا كله قول الفراء (٥).
وقال الزجاج: إِنَّمَا إذا جعلته كلمةً واحدةً كان إثباتًا لما يذكر بعده ونفيًا لما سواه، فقوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ معناه: ما
(٢) في (م): (وإن).
(٣) في (م): (زيادة إنما الله إله).
(٤) في (م): (الذي).
(٥) "معاني القرآن" للفراء، وينظر: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٢٢٩.
حرم عليكم إلا ما ذكر، كقول الشاعر:
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (١)
المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، وإنما صارت كلمة إنما إثباتًا للشيء ونفيًا لما سواه؛ لأن كلمة (إنّ) للتوكيد في الإثبات، و (ما) تكون نفيًا، وإذا قال (٢) القائل: إني بشرٌ، فالمعنى: أنا بشرٌ على الحقيقة، وإذا قال: إنما أنا بشرٌ، كان المعنى: ما أنا إلا بشرٌ (٣).
والميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يُذبح (٤).
وتحريم الميتة مخصوص بالسنة لقوله - ﷺ -: "أُحِلّتْ لنا ميتتان" (٥).
أنا الذائد الحامي الذمار وإنما
والبيت للفرزدق في "ديوانه" ص ٧١٢، "معاني القرآن" للزجاج، "معاهد التنصيص" ١/ ٨٩.
(٢) في (م): (وإذا كان قال).
(٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
(٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٤٣، "أحكام القرآن" للجصاص ١/ ١٣٢، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٥٢، "تفسير القرطبي" ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وتعريف المؤلف رحمه الله ناقص؛ فإنه لم يدخل فيه أيضًا ما ذبح بطريقة غير شرعية، قال الجصاص ١/ ١٣٢: "الميتة في الشرع: اسم حيوان الميت غير المذكى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لأدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله على وجه الذكاة المبيحة له".
(٥) أخرجه ابن ماجه (٣٢١٨) كتاب الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد، وأحمد في "المسند" ٢/ ٩٧، وعبد بن حميد في "المنتخب من مسنده" ص٢٦٠، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" ٢/ ٣٣١، والدارقطني في "سننه" ٤/ ٢٧٢، وابن عدي في "الكامل" ٤/ ٢٧١، والبيهقي في "سننه" ١/ ٢٥٤، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا وأخرجه ابن عدي في "الكامل" =
وكذلك الدم يخصه قوله تعالى: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام: ١٤٥]، فقيد هناك، وأطلق هاهنا، والمطلق يحمل على المقيد (١)، وقولُه - ﷺ -: "وَدَمَان" وكانت العرب تجعل الدَّمَ في المباعر، وتشويها ثم تأكلها (٢)، فحرّم الله تعالى الدم.
وقوله تعالى: وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد: الخنزيرَ بجميع أجزائه، وخص اللحم؛ لأنه المقصود بالأكل (٣)، وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أبو عبيد: قال الأصمعي: الإهلال أصله: رفع الصوت، وكل رافع صوتَه فهو مُهِلّ، قال ابن أحمر (٤):
(١) ينظر: "تفسير الطبري" ٨/ ٧١، الثعلبي ١/ ١٣٤٣، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي ١/ ٧١ - ٧٢، "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٥٢، "تفسير القرطبي" ٢/ ١٩٩.
(٢) في (م): (وتأكلها).
(٣) وقد حكي الإجماع على هذا، وممن حكاه: السمرقندي ١/ ١٧٧، وابن حزم في "المحلى" ٧/ ٣٩١، وابن رشد في "بداية المجتهد" ١/ ٤٥٢، وابن عطية ٢/ ٦٩، والرازي ٥/ ٢٢، والقرطبي ٢/ ٢٠٥، والشوكاني في "فتح القدير" ١/ ٢٦٢.
(٤) هو عمرو بن أحمر بن العمرو بن تميم بن ربيعة الباهلي، أبو الخطاب، أدرك الإسلام فأسلم، وغزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك، ونزل الشام، وتوفي على عهد عثمان، وهو صحيح الكلام، كثير الغرائب. ينظر: "طبقات فحول الشعراء" ٢/ ٥٧١، و ٥٨٠، و"الشعر والشعراء" ص ٢٢٣.
| يُهِلُّ (١) بالفَرْقَدِ رُكْبَانُها | كمَا يُهِل الراكبُ المُعْتَمِرْ (٢) |
فمعنى قوله: وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قال ابن عباس: يعني: ما ذبح للأصنام (٤)، وهو قول مجاهد (٥) والضحاك (٦) وقتادة (٧).
وقال الربيع (٨) وابن زيد (٩): يعني: ما ذكر عليه غير اسم الله عز وجل.
(٢) البيت في "ديوانه" ص ٦٦، "مجاز القرآن" ١/ ١٥٠، "غريب الحديث" لأبي عبيد ١/ ١٧٣، "تفسير السمعاني" ٢/ ١٣٠، الثعلبي ١/ ١٣٤٦، "لسان العرب" ٣/ ١٥٩٥، و ١٧١٤، ٥/ ٣١٠٢.
(٣) ينظر في الإهلال: "تفسير الطبري" ٢/ ٨٥، والثعلبي ١/ ١٣٤٥، "المفردات" ص ٥٢٢، "اللسان" ٨/ ٤٦٨٩.
(٤) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.
(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.
(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.
(٧) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.
(٨) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٥.
(٩) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٦. وقد حكى الإجماع الواحدي في "الوسيط" ١/ ٢٥٧ على أن ما أهل به لغير الله يشمل ما ذبح للأصنام، وذكر عليه غير اسم الله، وحكاه الجصاص في "أحكام القرآن" ١/ ١٥٤، وينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٨٦، ٨/ ٧١، "النكت والعيون" للماوردي، "معالم التنزيل" ١/ ١٨٣، "فتح القدير" ١/ ٢٦٢، "روح المعاني" ٢/ ٤٢.
قال الكلبي (١): وإن ذبحه مسلم لم يحل أكله، وقال أهل العلم: لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدًّا، وذبيحته ذبيحة مُرتد (٢). وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، وذبائحهم تحل لنا، لقوله تعالى: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ [المائدة: ٥] (٣).
وقوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ أي: أُحْوِجَ وألجئ، وهو افتُعِل من الضرورة، قال الأزهري: معناه ضُيق عليه الأمر بالجوع، وأصله: من الضرر وهو الضيق (٤).
وقرئ: برفع النون وكسرها في فَمَنِ اضْطُرَّ (٥) فمن رفع فللإتباع، ومن كسر فعلى أصل الحركة. لالتقاء الساكنين (٦). وفي الآية إضمار، معناه: فمن اضطر إلى شيء مما ذكرنا أنه محرّم، ويدخل تحت قوله: اضْطُرَّ: أن يحوج إليه لبؤس، أو يضطر (٧) أو يُكره عليه لخوف، والإكراه مذهب مجاهد (٨).
(٢) ينظر: "إعلام الموقعين" ٤/ ٤٠٤، ، "المغني" ١٢/ ٢٧٦، و"القول المفيد شرح كتاب التوحيد" ١/ ٢١٤.
(٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٤٨، القرطبي ٢/ ٢٠٨ - ٢١٤.
(٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٥٠، "المفردات" ص ٢٩٦ - ٢٩٧، "البحر المحيط" ١/ ٤٩٠، "القاموس" ص ٤٢٨.
(٥) قرأ أبو عمرو ويعقوب وعاصم وحمزة بكسر النون وضم الطاء، وأبو جعفر بضم النون وكسر الطاء، والباقون بضمهما معًا. ينظر: "النشر" ٢/ ٢٢٥، "البدور الزاهرة" ص ٥٤.
(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٥٠، "التبيان" ص ١١٠، "البحر المحيط" ١/ ٤٩٠.
(٧) ليست في: (أ)، (ش).
(٨) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٦.
وقوله تعالى: غَيْرَ بَاغٍ يصلح أن يكون غَيْرَ حالًا للمضطر، ولا يصلح أن يكون استثناءً؛ لأن غَيْرَ هاهنا بمعنى: النفي؛ ولذلك عطف عليها بلا؛ لأنها في معنى لا (١).
قال الفراء: (غير) في هذا الموضع حال للمضطر، كأنك قلت: فمن اضطر لا باغيًا ولا عاديًا فهو له حلال (٢).
وقوله: بَاغٍ أصل البغي في اللغة: الفساد وتجاوز الحد، قال الليث: البغي في عدو الفرس: اختيال ومرح، وإنه ليبغي في عدوه. ولا يقال: فرس باغ، والبغي: الظلم والخروج عن النَّصَفة، ومنه قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ [الشورى: ٣٩].
الأصمعي: يقال: بغى الجرح يبغي بغيًا: إذا ترامى بالفساد، وبغت السماء: إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد.
الفراء: يقال للجرح إذا تورّم واشتد: بغى يبغي بغيًا، وبَغَى الجرح والبحر والحساب سواء: إذا طغى وزاد (٣).
وقوله تعالى: وَلَا عَادٍ العدْو: هو التعدي وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه، يقال: عدا عليه عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا وعدًا واعتداءً وتعديًا:
(٢) "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٠٢ - ١٠٣.
(٣) ينظر في معاني البغي: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٤٤، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٥١، "المفردات" ص ٦٥ - ٦٦، "البحر المحيط" ١/ ٤٩٠.
ظلمه ظلمًا مجاوزًا للقدر، وعدا طورَه: جاوز قدره (١) ولأهل التأويل في قوله: غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ طريقان (٢):
أحدهما وهو قول ابن عباس في رواية عطاء: غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم (٣). وهذا قول مجاهد (٤)، وسعيد بن حُبَير (٥)، والضحاك (٦)، والكلبي (٧) قالوا: غير قاطع للطريق، ولا مفارق للأئمة، مُشاقّ للأمة. وعلى هذا التأويل كل من عصى بسفره لم يحل له أكل الميتة عند الضرورة؛ لأنه باغ عاد، وهو مذهب الشافعي (٨) رحمه الله، قال: إن
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٨٦، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٤٣ - ٢٤٤، "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٥١، "تفسير البغوي" ١/ ١٨٣، "المحرر الوجيز" ٢/ ٧٢ - ٧٣، "تفسير القرطبي" ٢/ ٢١٤، "البحر المحيط" ١/ ٤٩٠ - ٤٩١.
(٣) تقدم الحديث عن هذا هذه الرواية ص ٩٢.
(٤) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٦، ٨٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨٣.
(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٦، ٨٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨٤.
(٦) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٥١.
(٧) ذكره الثعلبي ١/ ١٣٥١.
(٨) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي ١/ ٥٨، "تفسير القرطبي" ٢/ ٢١٤، "المغني" ١٣/ ٣٣٣، وقال الكيا الهراسي في "أحكام القرآن" ١/ ٧٤: اختلف قول الشافعي في إباحة أكل الميتة للمضطر العاصي بسفره، ويشهد لأحد القولين قوله تعالى: إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ، فإنه عام، ويشهد للقول الآخر قوله: ولا تقتلوا أنفسكم، وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا، وليس تناول الميتة من رخص السفر، أو متعلقًا بالسفر، بل هو من نتائج الضرورة سفرًا كان أو حضرًا، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضًا، وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء، وهو الصحيح عندنا. ا. هـ =
الإباحة إعانة له على فساده وظلمه، ولكن يتوب ويستبيح (١).
والثاني: أن هذا البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل، ومعناه: غير آكلها تلذُّذًا من غير اضطرار، وَلَا عَادٍ ولا مجاوز ما يدفع به عن نفسه الجوع، وهذا قول السدي (٢).
وقال الحسن (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، وابن زيد (٦): (غير باغ) بأكله من غير اضطرار، ولا (عاد) يتعدى الحلال إلى الحرام، فيأكلها وهو غني عنها. وعلى طريقة هؤلاء يُباح للعاصي بسفره تناول الميتة عند الضرورة، وهو مذهب أهل العراق (٧).
والتأويل الأول أولى؛ من حيث اللفظ والمعنى.
(١) "الأم" ٢/ ٢٢٦، وينظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٥٢.
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٨٨، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ١/ ٢٨٤، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(٣) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" ١/ ٦٥، والطبري ٢/ ٨٧
(٤) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٧، وابن أبي حاتم ١/ ٢٨٥.
(٥) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٧، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٥٣.
(٦) رواه عنه الطبري ٢/ ٨٧، وذكره الثعلبي ١/ ١٣٥٣.
(٧) يعني به الحنفية، ينظر: "أحكام القرآن" للجصاص ١/ ١٥٦، وقد ناقش هذه القضية بتوسع وأجاب على أدلة المانعين، فلينظر: "أحكام القرآن" للتهانوي ١/ ١٢٠.
أما اللفظ: فرجوع البغي والعدوان إلى حال المضطر أولى من رجوعهما إلى أكله، وهو المفهوم من اللفظ؛ لأنه لم يسبق للأكل ذكر حتى يكون البغي والعدوان صفةً له، راجعًا إليه، ومثله من الكلام أن يقال: قد حرم الأمير ركوب الخيل، ولبس السلاح، فمن أُحوِج (١) غير فارٍّ ولا ذاهبٍ فلا حرج عليه، فالذي يسبق إلى الوهم من هذا، ويليق باللفظ، أن معناه: غير فار بنفسه ولا ذاهب، وأن الفرار والذهاب يعود إلى نفس المضطر، لا إلى شيء سواه. وَوِزان التأويل الثاني من هذا الكلام: أن يكون المعنى: غير فار بسلاحه، ولا ذاهب به.
وأما من حيث المعنى: فإن نفس المؤمن يعاف الميتة والدم، ويستقذرهما (٢) استقذارا يمنعه من أكلهما؛ ولهذا لا يقام الحد على آكلهما، لأنه لم يحتج في الزجر عنهما إلى الحد، لا كالخمر فإن لها دواعي من النفس، وإذا كان كذلك فليس يتجاوز أحدٌ في أكل الميتة قدر التشبع عند الضرورة، ولا يتعدى الحلال الذي معه، فيأكلها تلذذًا من غير أن يَرِدَ بهذا نهي، وإن جاز ورود النهي تأكيدًا؛ فلهذين الوجهين: قلنا إن التأويل الأول أولى.
وقوله تعالى: إِنَّ الله غَفُوُرُ أي: للمعاصي، وفيه إشارة إلى أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يأخذُ بما جعل فيه الرخصة. رَحِيمٌ حيث رَخَّصَ للمضطر في أكل الميتة (٣).
(٢) في (ش): (تعاف وتستقذرهما).
(٣) "تفسير الثعلبي" ١/ ١٣٥٥.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي