قوله تعالى: الذين يَنقُضُونَ.. فيه أربعة أوجهٍ، أحدُها: أنْ يكونَ نعتاً للفاسِقين. والثاني: أنه منصوبٌ على الذمِّ. والثالث أنه مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه الجملةُ من قوله: أولئك هُمُ الخاسرون. والرابع: أنه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي: هم الفاسقون.
والنَّقْضُ: حَلُّ تركيب الشيءِ والرجوعُ به إلى الحالة الأولى. والعهدُ في كلامِهم على معانٍ منها: الوصيةُ والضمانُ والاكتفاءُ والأمرُ. والخَسار: النقصانُ في ميزان أو غيره، قال جرير:
| ٣١٦ - إنَّ سَليطاً في الخسار إنَّهْ | أولادُ قومٍ خُلِقوا أَقِنَّهْ |
و «مِنْ بعد» متعلقٌ ب «يَنْقْضُون»، و «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، وقيل: زائدةٌ وليس بشيء. و «ميثاقَه» الضميرُ فيه يجوزُ أن يعودَ على العهدِ، وأن يعودَ على اسم الله تعالى، فهو على الأول مصدرٌ مضافٌ إلى المفعولِ، وعلى الثاني مضافٌ للفاعل، والميثاقُ مصدرٌ كالميلادِ والميعادِ بمعنى الولادةِ والوَعْد، وقال ابنُ عطية: «وهو اسمٌ في موضعِ المصدرِ كقولِهِ:
| ٣١٧ - أكُفْراً بعدَ رَدِّ الموتِ عني | وبعد عطائِك المئةَ الرِّتاعا |
| ٣١٨ - حِمىً لا يَحُلُّ الدهرُ إلا بإذنِنا | ولا نَسْأَل الأقوامَ عهدَ المَيَاثِقِ |
و أَمَرَ الله بِهِ صلتُها وعائدُها. وأجاز أبو البقاء أن تكونَ نكرةً موصوفةً، ولا يجوز أن تكونَ مصدرِيَّةً لعَوْدِ الضميرِ عليها إلا عند أَبي الحسن وابن السراج، وهي مفعولةٌ بيَقْطَعون.
قوله: أَن يُوصَلَ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: الجرُّ على البدلِ من الضمير في «به» أي: ما أمرَ اللهُ بوَصْلِهِ، كقول امرئ القيس:
| ٣١٩ - أمِنْ ذِكْرِ ليلى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ | فَتَقْصُرُ عنها خَطْوَةً وتَبُوصُ |
و يُفْسِدُونَ عطفٌ على الصلةِ أيضاً و فِي الأرض متعلِّقٌ به. وقولُه أولئك هُمُ الخاسرون كقولِهِ: وأولئك هُمُ المفلحون [البقرة: ٥]. وقد تقدَّم أنه يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ خبراً عن الذين يَنقُضُونَ إذا جُعِلَ مبتدأً، وإنْ لم يُجْعَلْ مبتدأ فهي مستأنفةٌ فلا محلَّ لها حينئذٍ. وتقدم معنى الخَسار، والأمرُ: طلبُ الأعلى من الأدنى. صفحة رقم 236
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط