ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
المعنى الجملي
كان الكلام قبل هذا في آيات الصدقة، والمتصدق يعطي المال من غير عوض ابتغاء وجه الله- وهنا ذكر الكلام على الربا لأن المرابي يأخذ المال بلا عوض يقابله.
وقبل أن نفسر الآيات الكريمة نشرح المقصود بكلمة الربا في الإسلام ونذكر ما كان معروفا منه عصر التنزيل، وفيم يكون ؟ حتى نتفهمه حق الفهم، ثم نذكر بعدئذ أسرار النهي عنه في الإسلام.
الربا ضربان : ربا النسيئة، وربا الفضل.
فالأول : يكون بإقراض قدر معين من المال لزمن محدود كسنة أو شهر مع اشتراط الزيادة في نظير امتداد الأجل، وهو المستعمل الآن في المصارف المالية، وهو الذي نص القرآن الكريم على تحريمه، وكان متعارفا في الجاهلية وقت التنزيل، قال ابن جرير : إن الرجل كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه المال : أخر عني دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك، فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة، فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه. اهـ.
والتعامل بهذا النوع من الكبائر، وقد ورد في الحديث ( لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده ).
والثاني : يكون في بيع الشيء بنظيره مع زيادة أحد العوضين على الآخر كأن يبيعه إردبا من القمح الهندي بثلاث عشرة كيلة من القمح البلدي، أو أقة عنب مصري بأقة وربع من عنب أزمير، أو قنطارا من فحم انجلترا بقنطار ونصف من فحم إيطاليا وهكذا الحكم في جميع المكيلات والموزونات والنقدين الذهب والفضة لما جاء في الخبر من قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تبيعوا الذهب بالذهب، والورق بالورق الفضة والبر بالبر والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين يدا بيد ).
والتعامل به محرم أيضا لكنه أقل إثما من سابقه.
أسرار تحريم الربا
زعم كثير من المسلمين الذين ذهبوا إلى بلاد الغرب، بلاد المدنية والحضارة ونهلوا من مناهل العلم هناك، أن تحريم الربا في الإسلام هو العقبة الكئود في مجاراة الأمم الإسلامية للبلاد الغربية في الثروة التي هي مناط العزة والقوة في العصر الحديث، ويحتجون بأن المسلمين ما منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب إلا بتحريم الربا، فإنهم لاحتياجهم إلى الأموال يأخذونها من الأجانب بالربا الفاحش، ومن كان منهم غنيا لا يعطي ماله بالربا، فمال الفقير يذهب، ومال الغني لا ينمو، وهم يريدون بذلك أن الدين قد وقف عقبة كأداء في أهم مسألة عمرانية اجتماعية.
وهذه حجة أوهى من بيت العنكبوت، وأوهام يزينها لهم الشيطان لم يمحصوها حق التمحيص، فإن المسلمين في هذا العصر لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم، إذ لو حكموه لما استعانوا بالربا، ولما جعلوا أموالهم غنائم لغيرهم، فإن كانوا تركوا الربا لأجل الدين، فهل هم تركوا الصناعة والتجارة لأجل الدين ؛ فالأمم جميعا قد سبقتنا إلى إتقان ذلك، فلماذا لا تتقن سائر المكاسب لنعوض على أنفسنا ما فاتنا من الكسب المحرم، وديننا يدعونا إلى السبق في إتقان كل شيء ؟
وفي الحق أن المسلمين قد نبذوا الدين وراءهم ظهريا، فلم يبق منه إلا تقاليد وعادات ورثوها من آبائهم وأجدادهم، فالدين لم يكن عائقا لهم عن الرقي، بل هو خير الأديان في الدعوة إلى العمل، والحث على الكسب كما قال تعالى : فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وقال : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله .
فالأمة الإسلامية ما ارتفعت إلا بالدين، وما سقطت بعدما ارتفعت إلا بترك الدين مع الجهل بالسبب الذي أفضى بها إلى ذلك، إلى أن صارت تجعل علة الرقي سببا في الانحطاط، فلو اتبعت حكوماتنا وأفرادنا أوامر الدين وتركت التعامل بالربا مع الأجانب لما ضاعت ثروتنا، ولا ذهب ملكنا وكان الدين وحده هو العاصم لنا.
فالربا مسألة اجتماعية كبيرة اتفقت في حكمها الأديان الثلاثة : اليهودية والنصرانية والإسلام، لكن اختلف فيها أهل الأديان. فاليهود كانوا يرابون غيرهم، والنصارى يرابى بعضهم بعضا ويرابون سائر الناس، والمسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة ردحا طويلا من الدهر، ثم قلدوا غيرهم فيها، ثم انتشرت بينهم في العصر الحديث في أكثر الأقطار، والسر في هذا أنهم قلدوا حكامهم في هذه السبيل، بل كثيرا ما ألزم الحكام الرعية بالتعامل بالربا أداء للضرائب التي يفرضونها عليهم.
فالأديان لم تستطع أن تقاوم ميل الجماهير إلى أكل الربا حتى صار كأنه ضرورة يضطرون إليها.
ويمكن أن نلخص الأسباب التي لأجلها حرم الدين الربا فيما يلي :
١ إنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب الصحيحة كأنواع الحرف والصناعات، لأن رب المال إذا تمكن بعقد الربا من إنماء ماله خف عليه الكسب وسهلت لديه أسباب العيش ؛ فيألف الكسل. ويمقت العمل، ويتجه همه إلى أخذ أموال الناس بالباطل، وتزداد شراهته في الاستيلاء على كل ما يستطيع أن يبتزه من أموالهم، فلا يرأف بفقير، ولا يشفق على بائس، ولا يرحم مسكينا، وقد جرت عادة المرابين بأن يزداد طمعهم حين الأزمات كقحط في البلاد، أو حروب تشتد فيها الحاجة إلى الأقوات، فيضطر الفقراء إلى الاستدانة من هؤلاء الطغاة الذين يستنزفون دماءهم، ويستأثرون بالبقية الباقية من أموالهم.
٢ إنه يؤدي إلى العداوة والبغضاء والمشاحنات والخصومات، إذ هو ينزع عاطفة التراحم من القلوب، ويضيع المروءة ويذهب المعروف بين الناس، ويحل القسوة محل الرحمة، حتى إن الفقير ليموت جوعا ولا يجد من يجود عليه ليسد رمقه، ومن جراء هذا منيت البلاد ذات الحضارة التي تعاملت بالربا بمشاكل اجتماعية، فكثيرا ما تألب العمال وغيرهم على أصحاب الأموال، وأَضربوا عن العمل الفينة بعد الفينة، والمرة بعد المرة.
ومنذ فشا الربا في البلاد المصرية ضعفت فيها عاطفة التعاون والتراحم، وأصبح المرء لا يثق بأقرب الناس إليه، ولا يقرضه إلا بمستند وشهود، بعد أن كان المقرض يستوثق من المقترض ولو أجنبيا عنه بألا يحدث أحدا بأنه اقترض منه، وما كان المقرض في حاجة في وصول حقه إليه إلى مطالبة بله محاكم ومقاضاة.
٣ إن الله جعل طريق التعامل بين الناس في معايشهم أن يستفيد كل منهم من الآخر في نظير عوض، لكن في الربا أخذ مال بلا عوض، وهذا نوع من الظلم لأن للمال حقا وحرمة فلا يجوز لغير مالكه الاستيلاء عليه قهرا بطريق غير مشروع. قال صلى الله عليه وسلم ( حرمة مال الإنسان كحرمة دمه ).
ولا ينبغي اعتبار القدر الزائد بسبب الربا عوضا من بقاء رأس المال في يدي المدين زمنا لو كان فيه في يد الدائن لاستفاد منه بطريق وسائل الكسب كتجارة وزراعة ونحوها لأن هذا ربما لا يحصل، وإن حصل فربما لا تتحقق الاستفادة، أما أخذ الزائد في الربا فمتيقن، ولا يجوز مقابلة المحتمل الحصول بالمؤكد المتيقن.
٤ إن عاقبته الخراب والدمار، فكثيرا ما رأينا ناسا ذهبت أموالهم، وخربت بيوتهم بأكلهم الربا، وفي حديث ابن مسعود عند أحمد وابن ماجه وابن جرير ( إن الربا وإن كثر فعاقبته تصير إلى قل ).
والسر في هذا أن المقترضين يسهل عليهم أخذ المال من غير بدل حاضر ويزين لهم الشيطان إنفاقه في وجوهه من الكماليات التي يمكن الاستغناء عنها، ويغريهم بالمزيد من الاستدانة، ولا يزال يزداد ثقل الدين على كواهلهم حتى يستغرق أموالهم، فإذا حل الأجل لم يستطيعوا الوفاء وطلبوا التأجيل، ولا يزالون يمطلون ويؤجلون والدين يزيد يوما بعد يوم حتى يستولي الدائنون قسرا على كل ما يملكون، فيصبحون فقراء معدمين، صدق الله يمحق الله الربا ويربي الصدقات .
وهاكم نبذة من مقال للدكتور محمد عبد الله دراز عضو جماعة كبار العلماء ألقاه في مؤتمر القانون الإسلامي في شهر يوليوز سنة ١٩٥١ وقد جاء فيها : أن سنة القرآن في معالجته للأمراض التي تأصلت في الشعوب وتوارثتها الأجيال، خلفا عن سلف ألا يأخذها بالعنف والمفاجأة، بل يتلطف في السير بها إلى الصلاح على مراحل حتى يصل إلى الغاية المرجوة.
فكلنا يعرف ما كان منه في شأن الخمر وأنه لم يبطله بجرة قلم، بل لم يحرمه تحريما كليا إلا في المرحلة الرابعة من الوحي، وأما المرحلة الأولى التي نزلت في مكة فإنها رسمت الوجهة التي سيسير فيها التشريع، وأما المراحل الثلاث التي نزلت بالمدينة فكانت أشبه بسلم أولى درجاته بيان مجرد لآثار الخمر، وأن إثمه أكبر من نفعه، والدرجة الثانية تحريم جزئي له. والثالثة تحريمه التحريم الكلي القاطع.
فهل يطيب لكم أن تدرسوا معي المنهج التدريجي الذي سلكه القرآن في مسألة الربا ؟
إنه لمن جليل الفائدة أن نتابع هذا السير لنرى انطباقه التام على مسلكه في شأن الخمر، لا في عدد مراحله فحسب، بل حتى في أماكن نزول الوحي وفي الطابع الذي تتسم به كل مرحلة منها.
نعم، فقد تناول القرآن حديث الربا في أربعة مواضع أيضا، وكان أول موضع منها وحيا مكيا والثلاثة الباقية مدنية، وكان كل واحد من هذه التشريعات الأربعة متشابها تمام المشابهة لمقابله في حديث الخمر.
ففي الآية المكية يقول الله جلت حكمته وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله هذه كما ترونها موعظة سلبية : أن الربا لا ثواب له عند الله، نعم ولكنه لم يقل إن الله ادخر لآكله عقابا، وهذا بالضبط نظير صنيعه في آية الخمر المكية ١٦-٦٧ حيث أومأ برفق إلى أن ما يتخذ سكرا ليس من الرزق الحسن دون أن يقول إنه رجس واجب الاجتناب، ومع ذلك فإن هذا التفريق في الأسلوب كان كافيا وحده في إيقاظ النفوس الحية، وتنبيهها إلى الجهة التي سيقع عليها اختيار المشرع الحكيم.
أما الموضع الثاني فكان درسا وعبرة قصها علينا القرآن من سيرة اليهود الذين حرم عليهم الربا فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم، وواضح أن هذه العبرة لا تقع موقعها إلا إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح، ومهما يكن من أمر فإن هذا الأسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصدا في هذا الشأن، نظير ما وقع بعد المرحلة الثانية في الخمر ٢-٢١٩ حيث استشرفت النفوس إذ ذاك إلى ورود نهي صريح، وقد جاء هذا النهي بالفعل في المرحلة الثالثة، ولكنه لم يكن إلا نهيا جزئيا في أوقات الصلاة { ٤-٤٣ ].
وكذلك لم يجئ النهي الصريح عن الربا إلا في المرتبة الثالثة، وكذلك لم يكن إلا نهيا جزئيا عن الربا الفاحش الربا الذي يتزايد حتى يصير أضعافا مضاعفة ٢-١٣٠ .
وأخيرا وردت الحلقة الرابعة التي ختم بها التشريع في الربا، بل ختم بها التشريع القرآني كله على ما صح عن ابن عباس، وفيها النهي الحاسم عن كل ما يزيد على رأس مال الدين حيث يقول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون، واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ٢-٢٧٨-٢٨١ .
هذه أيها السادة والسيدات نصوص التشريع القرآني في الربا مرتبة على حسب تسلسلها التاريخي.
وإنكم لترو
الإيضاح :
أي إن الذين صدقوا بما جاءهم من ربهم من الأوامر والنواهي، وعملوا ما تصلح به نفوسهم كمواساة المحتاجين، والرحمة بالبائسين وإنظار المعسرين- وهذا من مستتبعات الإيمان الحقيقي المقرون بالإذعان- وأقاموا الصلاة التي تذكر المؤمن بالله فيزيد إيمانه، وحبه لربه ومراقبته له، فتسهل عليه طاعته في كل شيء، وآتوا الزكاة التي تطهر النفوس من رذيلة البخل وتمرنها على أعمال البر- وخص هذين بالذكر مع شمول الأعمال الصالحة لهما لأنهما أعظم أركان العبادات النفسية والبدنية – لهم ثواب مدخر عند ربهم يوم الجزاء، ولا يحزنون على ما فات، ولا يخافون مما هو آت.
وفي هذا تعريض بآكلي الربا وأنهم لو كانوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات لكفوا عن ذلك.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير