ﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

قوله : يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بأسْمَائِهِمْ .
آدم : مبني على الضم ؛ لأنه مفرد معرفة، وكل ما كان كذلك بُني على ما كان يرفع به، وهو في محلّ نصب لوقوعه موقع المَفْعول به، فإن تقديره : ادعوا آدم، وبني لوقوعه موقع المُضْمَرِ، والأصل : يا إياك كقولهم :" يَا إيَّاكَ قَدْ كَفَيْتُكَ "، و " يا أَنْتَ " ؛ كقوله [ الرجز ]
يَا أَبْجَرُ بْنَ أَبْجَرٍ يَا أَنْتَا *** أَنْتَ الَّذِي طَلَّقْتَ عَامَ جُعْتا
*** قَدْ أَحْسَنَ اللهُ وَقَدْ أَسَأْتَا١ ***
و " يَا إِيَّاكَ " أقيس من " يا أنت " ؛ لأن الموضع موضع نصب، ف " إياك " أليق به، وتحرزت بالمفرد عن المضاف نحو : يا عبد الله، ومن الشبيه به، وهو عبارة عما كان الثَّانِي فيه من تمام معنى الأوّل نحو :" يا خيراً من زيد " و " يا ثلاثةً وثلاثين "، وبالمعرفة من النكرة المقصودة ؛ نحو قوله :[ الطويل ]
فَيَا رَاكِباً إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ *** نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لاَ تَلاَقيَا٢
فإن هذه الأنواع الثلاثة معربة نصباً.
" أنبئهم " فعل أمر، وفاعل، ومفعول، والمشهور " أنبئهم " مهموز مضموماً، وقرئ٣ بكسر الهاء. ويروى عن " ابن عامر "، كأنه أتبع الهاء لحركة " الباء "، ولم يعتد ب " الهمزة "، لأنها ساكنةٌ، فهي حاجز غير حَصِيْنٍ.
وقرئ٤ بحذف الهمزة، ورُويت عن " ابن كثير "، قال " ابن جنّيّ " هذا على إبدال الهمزة ياء، كما تقول : أنبيت كأعطيت، قال : وهذا ضعيف في اللّغة ؛ لأنه بدلٌ لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر.
وهذا من أبي الفَتْحِ غير مرضٍ، لأن البدل جاء في سَعَةِ الكلام، حكى " الأخفش " في " الأوسط " أنهم يقولون في أَخْطَأَت : أَخْطَيْت، وفي توضأت : توضيت.
قال : وربما حَرّكوه إلى " الوا "، وهذا قليل قالوا :" رَفَوْت " في " رَفَأْت "، ولم أسمع " رَفَيْت ".
إذا تقرر ذلك، فللنحويين في صرف العلّة المبدل من الهمزة نظر في أنه هل يجرى مجرى العلّة الأصلي أم ينظر إلى أصله ؟ ورتبوا على ذلك أحكاماً، ومن جملتها : هل يحذف جزماً كالحرف غير المبدل أم لا نظراً إلى أصله ؟ واستدل بعضهم على حذفه جزماً بقول زهير :[ الطويل ]
جَرِيءٍ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقِبْ بِظُلْمِهِ *** سَرِيعاً وَإِلاَّ يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ٥
لأن أصله :" يبدأ " بالهمزة، فكذلك هذه الآية أُبدلت الهمزة ياء، ثم حذفت حملاً للأمر على المجزوم.
وقرئ :" أَنْبِيهُمْ " ٦ بإثبات " الياء " نظراً إلى " الهمزة " وهل تضم " الهاء " نظراً للأصل أم تكسر نظراً للصورة ؟
وجهان منقولان عن " حمزة " عند الوقف عليه.
و " بِأَسْمَائِهِمْ " : متعلّق ب " أَنْبِئْهُمْ "، وهو المفعول الثاني كما تَقَدّم، وقد يتعدّى ب " عن " نحو :" أنبأته عن حاله "، وأما تعديته ب " من " في قوله : قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ [ التوبة : ٩٤ ] فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله : فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِِ .
والمراد من هذا الغيب أنه كان عالماًَ بأحوال آدم قبل نطقه، وهذا يدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدلّ على بطلان مذهب " هشام بن الحكم " في أنه لا يعلم الأشياء إلاَّ عند وقوعها، فإن قيل : قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يدلّ على أنّ العبد قد يعلم الغيب ؛ لأن الإيمان بالشَّيء فرع العلم به، وهذا الآية مشعرة بأن علم الغيب ليس إلا لله تعالى، وأن كل من سواه فهم خَالُونَ عن علم الغيب.
والجواب : ما تقدم في قوله : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : ٣ ].
قوله : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ " قال " جواب " فلما "، والهمزة للتقرير إذا دخلت على نفي قررته، فيصير إثباتاً كقوله : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ [ الشرح : ١ ] أي : قد شرحنا.
و " لم " حرف جزم، و " أقل " : مجزوم بها حذفت عينه، وهي " الواو " لالتقاء الساكنين، و " لكم " متعلّق به، و " اللام " للتبليغ، والجُمْلَة من قوله :" إني أعلم " في محلّ نصب بالقول.
وقد تقدم نظائر هذا التركيب.
قوله : وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ كقوله أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ من كون " أعلم " فعلاً مضارعاً، و " أفعل " بمعنى " فاعل " أو " أفعل " تفضيل، وكون ما في محلّ نصب أو جر، وقد تقدم.
والظاهر : أن جملة قوله :" وأعلم " معطوفة على قوله : إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ ، فتكون في محلّ نصب بالقول.
وقال " أبو البقاء " ٧ : إنه مستأنف، وليس محكياً بالقول : ثم جوَّز فيه ذلك.
و " تبدون " وزنه :" تفعون " ؛ لأن أصله : تبدوون مِثْل : تخرجون، فأعلّ بحذف " الواو " بعد سكونها، و " الإبداء " : الإظهار، و " الكَتْم " الإخفاء ؛ يقال : بَدَا يَبْدُو بَدَاء ؛ قال :[ الطويل ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** بَدَا لَكَ فِي تِلْكَ القَلُوصِ بَدَاءُ٨
وقوله : وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمونَ عطف على " ما " الأولى بحسب ما تكون عليه من الإعراب.
روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير : أن قوله :" ما تُبْدُون " أراد به قولهم : أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا وبقوله : وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون أراد به ما أسر " إبليس " في نفسه من الكبر وألاَّ يسجد.
قال " ابن عطية " ٩ : وجاء " تكتمون " للجماعة، والكاتم واحدٌ في هذا القول على تجوّز العرب واتِّسَاعها، كما يقال لقوم قد جَنَى منهم واحد : أنتم فعلتم كذا، أي : منكم فاعله، وهذا مع قَصْد تعنيف، ومنه قوله : إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ [ الحجرات : ٤ ] وإنما ناداه منهم عُيَيْنَةُ.
وقيل :" الأقرع " ١٠.
وقيل : إِنِي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ من الأمور الغائبة، والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها، ولكن لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أنّ المصلحة في خلقها.
وقيل إنه - تعالى - لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً قالوا : ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا الذي كَتَمُوا، ويجوز أن يكون هذا القول سرًّا أسروه بينهم، فأبداه بعضهم لبعض، وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان.
وقالت طائفة : الإبْدَاء والكَتْمُ المراد به العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع، وهذه الآية تدلّ على فضيلة العلم.

١ - ينظر الأبيات في التصريح: (٢/١٦٤)، الهمع: (١/١٧٤)، الدرر: (١/١٥١)، شرح الأشموني: (٣/١٣٥)، أوضح المسالك: (٣/٧٢)، الدر المصون: (١/١٨٤)..
٢ - البيت لعبد يغوث بن وقاص ينظر خزانة الأدب: ٢/١٩٤، ١٩٥، ١٩٧، والكتاب: ٢/٢٠٠، ولسان العرب (عرض)، والمقاصد النحوية: ٤/٢٠٦، والعقد الفريد: ٥/٢٢٩، وشرح التصريح: ٢/١٦٧، والأشباه والنظائر: ٦/٢٤٣، وشرح اختيارات المفضل: ص ٧٦٧، خزانة الأدب: ١/٤١٣، ٩/٢٢٣، والمقتضب: ٤/٤٢٠٤، ورصف المباني: ص ١٣٧، وشرح الأشموني: ٢/٤٤٥، وشرح شذور الذهب: ص ١٤٥، وشرح ابن عقيل: ص ٥١٥، وشرح قطر الندى: ص ٢٠٣، الدر المصون: ١/١٨٤..
٣ - ونسبها أبو علي الفارسي إلى ابن كثير، وقال: قال أحمد: هذا خطأ لا يجوز. انظر الحجة للقراء السبعة: ٢/٦ - ٧، والسبعة: ١٥٣، والبحر المحيط: ١/٢٩٨، وإتحاف فضلاء البشر: ١/٣٨٦، والدر المصون: ١/١٨٤، وإعراب القراءات: ١/٨٢..
٤ - وهي قراءة ابن كثير من طريق القواس، وقراءة الحسن والأعرج.
انظر المحرر الوجيز: ١/١٢٢، والبحر المحيط: ١/٢٩٨، والدر المصون: ١/١٨٤، والمحتسب: ١/٦٦..

٥ - ينظر ديوانه: ص ٢٤، وخزانة الأدب: ٣/١٧، ٧/١٣، والدرر: ١/١٦٥، وسر صناعة الإعراب: ٢/٧٣٩، وشرح شواهد الشافية: ص ١٠، وشرح شواهد المغني: ١/٣٨٥، والممتع في التصريف: ١/٣٨١، ٢/٤٥٨، وشرح شافية ابن الحاجب: ١/٢٦، والمقرب: ١/٥٠، وهمع الهوامع: ١/٥٢، الدر المصون: ١/١٨٤..
٦ - قرأ بها ابن أبي عبلة، انظر الشواذ: ٤، والبحر المحيط: ١/٢٩٨، والدر المصون: ١/١٨٥..
٧ - ينظر الإملاء: ١/٣٠..
٨ - عجز بيت لمحمد بن بشير العدوالي الخارجي وصدره:
.................. *** لعلك والموعود حق لقاؤه
ينظر الخصائص: (٣٦٨)، ابن الشجري: (٢/١٧)، الهمع: (١/٢٤٧)، الدرر: (١/٢٠٤)، الأغاني: (١٤/١٥)، التصريح: (١/٢٦٨)، اللسان: (بدا)، التاج: (بدا)، الدر المصون: (١/١٨٥)..

٩ - ينظر المحرر الوجيز: ١/١٢٣..
١٠ - الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي: صحابي من سادات العرب في الجاهلية قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من بني دارم (من تيمم) فأسلموا، وشهد حنينا وفتح مكة والطائف وسكن المدينة، وكان من المؤلفة قلوبهم ورحل إلى دومة الجندل في خلافة أبي بكر وكان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه حتى اليمامة، واستشهد بالجوزجان وفي المؤرخين من يرى أن اسمه "فراس" وأن الأقرع لقب له لقرع كان برأسه وكان حكما في الجاهلية.
ينظر الأعلام: ٢/٥ (٣٦)، الذيل على الكاشف: رقم ٨٦، تعجيل المنفعة: ٦١، تاريخ البخاري الصغير: ٥٩، أسد الغابة: ١/١٣٥، الإصابة: ١/١٠١..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية