ﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮ

يابني إسرائيل معناه : يا أولاد يعقوب، وإسرائيل معناه في العبرية : عبد الله، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ( عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام )، وإنما ناداهم بهذا النداء : يابني إسرائيل ونسبهم إلى هذا النبي الكريم ليبعثهم بذلك على امتثال الأمر واجتناب النهي، كما تقول العرب لمن يستحثونه للأمر : يا ابن الكرام افعل كذا.
وقوله : اذكروا نعمتي المراد بالذكر هنا : ذكر يحمل على الشكر، ومن شكر تلك النعمة المأمور به : تصديق النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه فيما جاء به. و نعمتي اسم جنس مضاف إلى معرفة، واسم الجنس إذا أضيف إلى معرفة فهو من صيغ العموم كما تقرر في الأصول، فمعنى نعمتي : أي : نعمي، كقوله :( وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ) [ النحل : آية ١٨ ] أي : نعم الله لا تحصوها، وكقوله : فليحذر الذين يخالفون عن أمره [ النور : آية ٦٣ ] أي : أوامره، ومن هذه النعم التي ذكرهم بها حملا على شكرها : إنجاؤهم من عدوهم فرعون، وإغراق عدوهم وهم ينظرون، ومنها : تظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى، وتفجير الماء من الحجر... إلى غير ذلك مما قص الله في كتابه.
وجرت العادة في القرآن أن الله يمتن على الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالنعم التي صدرت من أسلافهم الماضين، وكذلك يعيبهم بالمعائب التي صدرت من أسلافهم الماضين ؛ لأنهم أمة واحدة ؛ ولأن الأبناء يتشرفون بفضائل الآباء، فكأنهم شيء واحد. ولذلك كان ( جل وعلا ) يمتن على هؤلاء بنعمه على الأسلاف، وكذلك يعيبهم بما صدر من الأسلاف ؛ لأنهم جماعة واحدة.
وقوله : التي أنعمت عليكم أي : التي أنعمتها عليكم، كإنزال المن والسلوى، وتظليل الغمام، والإنجاء من فرعون... إلى غير ذلك.
وأني فضلتكم على العالمين المصدر المنسبك من ( أن ) وصلتها في محل نصب عطفا على نعمتي ، أي : اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم على العالمين. و " العالمون " : جمع عالم، وهو يطلق على ما سوى الله. والدليل على أنه يشمل أهل السماء والأرض من المخلوقين : قوله ( جل وعلا ) : قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين [ الشعراء : الآيتان ٢٣، ٢٤ ] والعالم : اسم جنس يعرب إعراب الجمع المذكر السالم. وقوله هنا : فضلتكم على العالمين أي : على عالم زمانكم الذي أنتم فيه. فلا ينافي أن هذه الأمة التي هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل منهم، كما نص الله على ذلك في قوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس [ آل عمران، آية ١١٠ ] وفي حديث معاوية بن حيدة القشيري ( رضي الله عنه ) عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ". ومن الآيات المبينة لفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمة موسى أنه قال في أمة موسى : منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون [ المائدة : آية ٢٢ ] فجعل أعلى مراتبهم الفئة المقتصدة، بخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقسمهم إلى ثلاث طوائف، وجعل فيهم طائفة أكمل من الطائفة المقتصدة، وذلك في قوله في فاطر : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير [ فاطر : آية ٣٢ ] فجعل فيهم سابقا بالخيرات، وهو أعلى من المقتصد، ووعد الجميع بظالمهم ومقتصدهم وسابقهم بجنات عدن في قوله : جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير [ فاطر : آية ٣٣ ] وقال بعض العلماء : حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين. يعني : واو يدخلونها ؛ لأنه وعد من الله صادق، شامل بظاهره الظالم والمقتصد والسابق.
وفي الآية سؤال معروف وهو أن يقال : ما الحكمة في تقديم الظالم لنفسه في الوعد بجنات عدن وتأخير السابق ؟ وللعلماء عن هذا أجوبة معروفة، منها : أنه قدم الظالم لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط. وقال بعض العلماء : أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم، فبدأ بهم لأكثريتهم.
ومما يدل على أفضلية أمة محمد صلى الله عليه وسلم على بني إسرائيل : أن الابتلاء الذي يظهر به الفضل وعدمه إنما يكون بخوف أو طمع، وقد ابتلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بخوف، وابتلاهم بطمع، وابتلى بني إسرائيل بخوف، وابتلاهم بطمع، أما الخوف الذي ابتلى الله ( جل وعلا ) به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم : فهو أنهم لما غزوا غزاة بدر، وساحل أبو سفيان بالعير، واستنفر لهم النفير، وجاءهم الخبر بأن العير سلمت، وأن الجيش أقبل إليهم، وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال له المقداد بن عمرو ( رضي الله عنه ) : والله لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا من دونه معك، ولو خضت بنا هذا البحر لخضناه، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى : فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [ المائدة : آية ٢٤ ]، بل إنا معك مقاتلون. ولما أعاد الكلام قال له سعد بن معاذ ( رضي الله عنه ) : كأنك تعنينا معاشر الأنصار – لأنهم اشترطوا عليه ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، بشرط أن يكون في داخل المدينة، ولم يشترط عليهم خارج المدينة – فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعنيهم فقال كلامه المعروف المأثور، قال : " والله إنا لقوم صبر في الحرب، صدق عند اللقاء، والله ما نكره أن تلقى بنا عدوك حتى ترى منا ما يقر عينك، والله لقد تخلف عنك أقوام لو علموا أنك تلقى كيدا ما تخلف عنك منهم رجل ".
بخلاف بني إسرائيل لما امتحنوا بخوف كهذا صدر منهم ما ذكره الله في سورة المائدة في قوله : إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون [ المائدة : آية ٢٢ ] وقالوا له : إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون [ المائدة : آية ٢٤ ].
كذلك ابتلى بني إسرائيل بصيد السمك المذكور في الأعراف، المشار له في البقرة : وسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت [ الأعراف : آية ١٦٣ ] فحداهم القرم والطمع في أكل الحوت إلى أن اعتدوا في السبت، فمسخهم الله قردة. وقد امتحن الله ( جل وعلا ) أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية بالصيد وهم محرمون، فهيأ لهم جميع أنواع الصيد، من الوحوش، والطير، من كبارها وصغارها، ولم يعتد رجل منهم، ولم يصد في الإحرام، كما بينه ( جل وعلا ) بقوله : يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب [ المائدة : آية ٩٤ ]، فما مد رجل منهم يده إلى صيد.
فظهر بهذا أن كلتا الأمتين امتحنت بصيد، وأن هؤلاء اعتدوا على ذلك الصيد فمسخوا قردة، وأن أولئك اتقوا الله.
كذلك امتحنوا بخوف من عدو فصبر هؤلاء وثبتوا، وخاف هؤلاء وجبنوا، فدل هذا على أنهم أفضل منهم، وهذا مما لا خلاف فيه، وهذا مما يبين أن قوله : وأني فضلتكم على العالمين أن المراد : عالم زمانهم. وقال بعض العلماء : هو نوع من التفضيل آخر لا يعارض أشرفية هذه الأمة وأفضليتها عليهم، وهو كثرة الرسل فيهم ؛ لأن الأنبياء أكثر فيهم منهم في غيرهم، وكثرة الأنبياء فيهم لا تجعلهم أفضل من هذه الأمة، بل هذه الأمة أفضل منهم وإن كانت الأنبياء فيها إنما جاءها نبي واحد صلى الله عليه وسلم. وهذا معنى قوله : وأني فضلتكم على العالمين .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير