قوله : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ .
و " العفو " المَحْوُ، ومنه :" عَفَا اللَّهُ عَنْكُمْ " أي : محا ذنوبكم، والعافية : لأنها تمحو السّقم، وعَفَتِ الريح الأَثَرَ ؛ قال :[ الطويل ]
٤٨٨ فَتُوضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا *** لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ(١٢)
وقيل : عَفَا كذا أي : كَثُرَ، ومنه " وأَعْفُوا اللِّحَى " فيكون من الأضداد.
وقال ابن عطية :" العَفْوُ تَغطية الأثر، وإذهاب الحال الأوّل من الذَّنْبِ أو غيره، ولا يستعمل العَفْوُ بمعنى الصَّفح إلا في الذنب ". وهذا الذي قاله قريب من تَفْسِيْرِ الغُفْرَان ؛ لأن الغفر التغطية والسَّتر، ومنه : المغفر، ولكن قد فُرِّق بينهما بأن العفو يجوز أن يكون بعد العقوبة، فيجتمع معها، وأمّا الغُفْرَانُ فلا يكون مع عقوبة.
وقال الرَّاغب(١٣) :" العَفُو " : القصد لتناول الشَّيء، يقال : عَفَاه واعْتَفَاهُ أي : قصده مُتَناولاً ما عنده، وعَفَتِ الريحُ التُّرابَ قصدتها متناولةً آثارها، وعَفَتِ الديار كأنها قصدت نحو البِلَى وعفا النَّبْت والشَّعْرُ قصد تناولَ الزِّيادة، وعفوتُ عنك كأنه قصد إِزَالَةَ ذَنْبِهِ صارفاً عنه، وأَعْفَيْتُ كذا، أي : تركته يعفو ويكثر، ومنه " أعْفُوا اللِّحَى " فجعل القصد قدراً مشتركاً في العَفْوِ، وهذا ينفي كونه من الأَضْدَادِ، وهو كلام حسن ؛ وقال الشاعر [ الطويل ]
٤٨٩. . . *** إِذَا رَدَّ عَافِي الْقِدْر مَنْ يَسْتَعِيرُهَا(١٤)
معناه : أن العَافِي هنا ما يبقى في القَدْرِ من المَرَقِ ونحوه، فإذا أراد أحد أن يستعير القِدْرَ يُعَلِّلُ صاحبها بالعَافي الذي فيها، فالعَافِي فاعل، ومن يستعيرها مَفْعُول، وهو من الإسناد المجازي ؛ لأن الرَّاد في الحقيقة صاحب القِدْرِ بسبب العافي.
فصل في تفسير المعتزلة للعفو في الآية
قالت المعتزلة :" المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتَّوْبَة، وهي قتل بعضكم بَعْضاً ".
قال ابن الخطيب(١٥) : وهذا ضعيف من وجهين :
الأول : أن قبول التوبة وَاجبٌ عَقْلاً، ولو كان المُرَاد ذلك لما جاز عدُّه في معرض الإنعام، لأن أداء الواجب لا يُعَدّ من باب الإنعام، والمقصود من هذه الآيات تَعْدِيْدُ نِعَمِ الله تعالى عليهم.
الثاني : أن العَفْوَ اسم لإسقاط العقاب المستحقّ ؛ وأمّا إسقاط ما يجب إسقاطه، وذلك لا يُسمَّى عَفْواً، ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم، فإذا ترك عذابه لم يكن الترك عفواً، فكذلك هاهنا.
إذا ثبت هذا فنقول : لا شَكّ في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى : فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ وإذا كان كذلك دَلَّت الآية على أن قَبُولَ التوبة غير واجب عَقْلاً، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضاً أنه تعالى أسقط عُقُوبَةَ من يجوز عقابه عقلاً، وشرعاً، وذلك أيضاً خلاف قول المعتزلة، وإذا ثبت أنه عفا عن كفّار قوم موسى، فلأن يعفو عن فُسّاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم خير أمة أُخرجت للنَّاس كان أولى.
قوله :" لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ".
" تَشْكُرُونَ " في محل رفع خبر " لعلّ "، وقد تقدّم تفسير الشكر عند ذكر الحمد.
وقال الراغب(١٦) : هو تصور النعمة وإظهارها.
وقيل : هو مقلوب عن الكَشْر أي : الكَشْف، وهو ضدّ الكفر، فإنه تَغْطِيَةُ النعمة وقيل : أصله من " عَيْن شَكْرى " أي : ممتلئة، فهو على هذا الامتلاء من ذكر المنعم عليه.
و " شَكَر " من الأفعال المتعدّية بنفسها تارةً، وبحرف الجرِّ أُخْرَى، وليس أحدهما أصلاً للآخَرِ على الصحيح، فمن المتعدِّي بنفسه قول عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ(١٧) :[ الطويل ]
٤٩٠ هُمُ جَمَعُوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَلَيْكُمُ *** فَهَلاَّ شَكَرْتَ الْقَوْمَ إِذْ لَمْ تُقَاتِلِ(١٨)
ومن المتعدِّي بحرف الجر قوله تعالى : وَاشْكُرُواْ لِي [ البقرة : ١٥٢ ]، وسيأتي هنا تحقيقُهُ.
فصل في الرد على المعتزلة
قالت المعتزلة : إنه تعالى بَيَّن أنه عفا عنهم، ولم يؤاخذهم لكي يشكروا، وذلك يدلّ على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر.
والجواب : لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك، إنما شرط أن يحصل للشَّاكر داعية للشكر أولاً بهذا الشرط، والأول باطل ؛ إذ لو أراد ذلك بهذا الشَّرط، فإن كان هذا الشرط من العَمْدِ لزم افتقار الدَّاعية إلى داعية أخرى، وإن كان من الله بحيث خلق الله الدَّاعي حصل الشكر لا محالة، وحيث لم يخلق الدَّاعي استحال حُصُول الشكر، وذلك ضد قول المعتزلة، وإن أراد حصول الشُّكر منه من غير هذه الداعية، فقد أراد منه المُحَال ؛ لأن الفِعْلَ بدون الدواعي مُحَال. فثبت أن الإشكال واردٌ عليهم.
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود