وقوله : ثم عفونا عنكم من بعد ذلك [ البقرة : آية ٥٢ ] ( عفونا ) أصله من ( العفو )، من عفت الريح الأثر، إذا طمسته. فالعفو – مثلا – هو : طمس الله أثر الذنب بتجاوزه حتى لا يبقى له أثر يتضرر به العبد.
والإشارة في قوله : ذلك إلى اتخاذهم العجل إلها، وهو ذلك الذنب العظيم، وأشار إليه إشارة البعيد ؛ لأن مثل ذلك الفعل يجب أن يتباعد منه تباعدا كليا.
وقوله : لعلكم تشكرون قال بعض العلماء : يغلب إتيان ( لعل ) في القرآن مشمة معنى التعليل، إلا التي في الشعراء : وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون [ الشعراء : آية ١٢٩ ] وإتيان ( لعل ) حرف تعليل مسموع في كلام العرب، ومن إتيان ( لعل ) للتعليل قول الشاعر :
وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا*** نكف ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم*** كشبه سراب بالملا متألق
فهذه ليست للترجي بتاتا ؛ لأنه قال : " ووثقتم لنا كل موثق ". وقوله : " ووثقتم لنا كل موثق " دل على أن المراد : فقلتم لنا كفوا الحروب لأجل أن نكف، ووثقتم لنا كل موثق في وعدكم بالكف المعلل بكفنا. هذا هو التحقيق.
وقال بعض العلماء : المراد ب( لعل ) يعني : افعلوا ما أمرناكم به مترجين أن يقع ما بعد لعل، وتقريره في هذا المعنى : ثم عفونا عنكم من بعد ذلك . وذلك العفو ينبغي – مثلا – أن تترجوا، وذلك العفو الذي عفونا عنكم يرجى من مثلكم فيه أن تشكروا ذلك العفو. فتكون للترجي على بابها. والأول لا ينافي الثاني ؛ لأنا لو قلنا : إنها للتعليل، فالمعلل مرجو الحصول عند وجود علته.
وأصل ( الشكر ) في لغة العرب : الظهور، ومنه ( الشكير ) وهو العسلوج الذي يظهر في جدع الشجرة التي قطعت إذا أصابها الماء فظهر فيها عسلوج يسمى شكيرا ؛ لأنه ظهر بعد أن لم يكن، ومنه :( ناقة شكور ) يظهر عليها أثر السمن.
والشكر يطلق في القرآن من الله لعبده، ومن العبد لربه، فمن إطلاق شكر العبد لربه قوله جل وعلا : إن ربنا لغفور شكور [ فاطر : آية ٣٤ ] ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم [ البقرة : آية ١٥٨ ].
ومعنى شكر الرب لعبده : هو إثابته له الثواب الجزيل من عمله القليل. ويطلق الشكر من العبد، كما في قوله هنا : لعلكم تشكرون ومعنى شكر العبد لربه : هو أن يستعمل نعمه في طاعاته ؛ فهذه العين الباصرة التي أنعم عليه بها شكرها أن لا ينظر بها إلا إلى ما يرضي الله، وهذه اليد الباطشة التي أنعم عليه بها شكر نعمتها أن لا يبطش بها إلا فيما يرضي الله، وهذا اللسان الذي يبين به ويفصح عما في ضميره شكره أن لا ينطق به إلا فيما يرضي الله، وهكذا في جميع سائر النعم والمنح البدنية والمالية إلى غير ذلك. وهذا معنى قوله : ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون .
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير