في الآيات الست الأخيرة من الربع الماضي قص كتاب الله على خاتم أنبيائه ورسله قصة نوح مع قومه بغاية الإيجاز، فقال : كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين* فاتقوا الله وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * فاتقوا الله وأطيعون .
ويلاحظ في هذه القصة وبقية القصص التي تلتها في نفس السورة أن كتاب الله اختار أن يفتتحها كلها بصيغة واحدة لا يتبدل فيها إلا اسم الرسول وحده أو اسم قومه، فقال تعالى في بداية قصة نوح مع قومه كذبت قوم نوح المرسلين ، وقال تعالى في بداية قصة هود مع عاد كذبت عاد المرسلين ، وقال تعالى في بداية قصة صالح مع ثمود : كذبت ثمود المرسلين ، وقال تعالى في بداية قصة لوط مع قومه كذبت قوم لوط المرسلين ، وقال تعالى في بداية قصة شعيب مع أصحاب الأيكة : كذب أصحاب ليكة المرسلين ، ولم يقل كتاب الله : كذب قوم نوح نوحا، أو كذبت عاد هودا، أو كذبت ثمود صالحا، أو كذبت قوم لوط لوطا، أو كذب أصحاب الأيكة شعيبا، إشعارا بأن من قابل بالتكذيب رسولا واحدا فقد كذب ضمنيا وبصورة غير مباشرة كافة الرسل، وذلك لأن الرسالات الإلهية وإن تعددت بتعدد الأنبياء والمرسلين هي في طبيعتها وجوهرها رسالة واحدة، صادرة من منبع واحد، هو منبع الوحي الإلهي الواحد والوحيد.
ثم إن خصائص الرسل، والأمارات المميزة لهم، التي اقتضت حكمة الله أن تكون متوافرة فيهم ليكونوا رسلا من عند الله لا تختلف في أصلها من رسول إلى آخر، بل هي متشابهة ومتماثلة، وطريقة معرفة الرسل واحدة، إذ ما منهم من أحد إلا وقد أيده الله بمعجزة يتحدى بها الكافرين، وحجة يقنع بها المنكرين، وعلى هذا الأساس ألزم الإسلام معتنقيه بعد الإيمان بالله أن يومنوا بكتبه ورسله دون استثناء، وكان شعار المسلمين ( لا نفرق بين أحد من رسله ). يضاف إلى ما سبق أن الله تعالى أمر كل رسول من رسله بأن يبلغ قومه خبر الرسل الذين يرسلهم الله من بعده، تعريفا لهم بأن سلسلة الرسالات الإلهية حلقات متوالية، إلى أن يحين ختمها بخاتم الأنبياء والمرسلين، وذلك حتى يكونوا على قدم الاستعداد لتصديق الرسول المنتظر فيصدق الخبر الخبر، وبهذا الاعتبار يكون من كذب رسوله الذي أرسل إليه، مكذبا لجميع الرسل منذ اللحظة الأولى، ويصدق عليه أنه قد كذب المرسلين أجمعين، ولم يكذب رسوله وحده، وهذا المعنى هو الذي أكده كتاب الله في فاتحة القصص الخمس، الواردة في هذه السورة ( سورة الشعراء )، بعد قصة موسى وقصة إبراهيم.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري