ﯰﯱﯲﯳ

ثم ينتقل السياق القرآني من قصة سيدنا إبراهيم- عليه السلام- إلى قصة أخرى من ركب الأنبياء ومواكب الرسل هي قصة نوح عليه السلام :
كذبت قوم نوح المرسلين ١٠٥
القوم : هم الرجال خاصة، وسموا قوما ؛ لأنهم هم الذين يقومون بأهم الأشياء، ويقابل القوم النساء، كما جاء شرح هذا المعنى في قوله سبحانه : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن... ١١ ( الحجرات )
فالرجال هم القوم ؛ لأنهم يقومون بأهم الأمور، وعليهم مدار حركة الحياة، والنساء يستقبلن ثمار هذه الحركة، فينفقونها بأمانة ويوجهونها التوجيه السليم.
والشاعر العربي أوضح هذا المعنى بقوله :

وما أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء١
ونفهم أيضا هذه القوامة للرجل من قول الله تعالى حينما وعظ آدم وحذره من الشيطان : إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة... ١١٧ ( طه ) وحسب القاعدة نقول : فتشقيا.
لكن الحق- تبارك وتعالى – يقول : فتشقى١١٧ ( طه ) أنت يا آدم وحدك في حركة الحياة، فالرجل يتحمل هذه المشقة ويكرم المرأة أن تهان أو تشقى، لكن ماذا نفعل وهي تريد أن تشقى نفسها ؟.
ونلحظ أن الآية تقول : كذبت قوم نوح المرسلين ١٠٥ ( الشعراء ) كيف وهم ما كذبوا إلا رسولهم نوحا عليه السلام ؟ وكانوا مؤمنين قبله بآدم وإبراهيم مثلا.
قالوا : لأن الرسل عن الله إنما جاءوا في أصول ثابتة في العقيدة وفي الأخلاق لا تتغير في أي دين ؛ لذلك فمن كذب رسوله فكأنه كذب كل الرسل، ألا ترى أن من أقوال المؤمنين أن يقولوا :
قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ٨٤ ( آل عمران ).
وقال تعالى : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله... ٢٨٥ ( البقرة ).
فإن قلت : فماذا عن اختلاف المناهج والشرائع من نبي لآخر ؟ نقول : هذه اختلافات في مسائل تقتضيها تطورات المجتمعات، وهي فرعيات لا تتصل بأصل العقائد والأخلاق الكريمة.
لذلك نجد هذه لازمة في كل مواكب الرسالات، يقول : المرسلين، المرسلين ؛ لأن الذي يكذب رسوله فيما اتفق فيه الأجيال من عقائد وأخلاق، فكأنه كذب جميع المرسلين.
١ هو قول زهير ابن أبي سلمى، شاعر جاهلي. قال ابن الأثير: القوم في الأصل مصدر قام ثم غلب على الرجال دون النساء، ولذلك قابلهن به، وسموا بذلك لأنهم قوامون على النساء بالأمور التي ليس للنساء أن يقمن بها. وقال الجوهري: ربما دخل النساء فيه على سبيل التبع لأن قوم كل نبي رجال ونساء.(لسان العرب –مادة: قوم)..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير