ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ

هذه الآيات تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيرا، ولا تعرف لها البشرية شبيها.. وتشهد - وحدها - بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد أن يكون من عند الله ؛ لأن البشر - مهما ارتفع تصورهم، ومهما صفت أرواحهم، ومهما استقامت طبائعهم - لالله : إن صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان. وقد أحطنا بذلك علما. فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك.. ولما عرف رسول الله [ ص ] أن الدرع وجدت في بيت اليهودي، قام فبرأ ابن أبيرق وعذره على رؤوس الناس. وكان أهله قد قالوا للنبي [ ص ] قبل ظهور الدرع في بيت اليهودي - إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت ! قال قتادة : فأتيت رسول الله [ ص ] فكلمته. فقال :" عمدت الى إهل بيت يذكر منهم إسلام وصلاح وترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة ؟ " قال : فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله [ ص ] في ذلك. فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله [ ص ] فقال : الله المستعان.. فلم نلبث أن نزلت :( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، ولا تكن للخائنين خصيمًا )- أي بني أبيرق - وخصيما : أي محاميا ومدافعا ومجادلا عنهم – ( واستغفر الله )- أي مما قلت لقتادة - ( إن الله كان غفورا رحيمًا ).. ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم )- إلى قوله تعالى :( رحيمًا )- أي لو استغفروا الله لغفر لهم - ( ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه )- إلى قوله :( إثما مبينًا ).. ( ولولا فضل الله عليك ورحمته ). إلى قوله :( فسوف نؤتيه أجرا عظيما ).. فلما نزل القرآن أتى رسول الله [ ص ] بالسلاح فرده إلى رفاعة.. قال قتادة : لما أتيت عمي بالسلاح - وكان شيخا قد عمي - أو عشي - في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولا، فلما أتيته بالسلاح قال : يا ابن أخي هي في سبيل الله. فعرفت أن إسلامه كان صحيحا ! فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فأنزل الله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرا. إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا.
إن المسألة لم تكن مجرد تبرئة برى ء، تامرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام - وإن كانت تبرئة بريء أمرا هائلا ثقيل الوزن في ميزان الله - إنما كانت أكبر من ذلك. كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع المودة والشنآن أيا كانت الملابسات والأحوال.
وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد ؛ وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية - في كل صورها حتى في صورة العقيدة، إذا تعلق الأمر بإقامة العدل بين الناس - وإقامة هذا المجتمع الجديد، الفريد في تاريخ البشرية، على القاعدة الطيبة النظيفة الصلبة المتينة التي لا تدنسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات !
ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث، أو عدم التشديد فيه والتنديد به وكشفه هكذا لجميع الأبصار. بل فضحه بين الناس - على هذا النحو العنيف المكشوف..
كان هناك أكثر من سبب، لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم. ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج !
كان هناك سبب واضح عريض.. أن هذا المتهم " يهودي ".. من " يهود ".. يهود التي لا تدع سهما مسموما تملكه إلا أطلقته في حرب الإسلام وأهله. يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين في هذه الحقبة [ ويشاء الله أن يكون ذلك في كل حقبة ! ] يهود التي لا تعرف حقا ولا عدلا ولا نصفة، ولا تقيم اعتبارا لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق !
وكان هنالك سبب آخر ؛ وهو أن الأمر في الأنصار. الأنصار الذين آووا ونصروا. والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن. بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي، يبعد شبح الشقاق !
وكان هنالك سبب ثالث. هو عدم إعطاء اليهود سهما جديدا يوجهونه إلى الأنصار. وهو أن بعضهم يسرق بعضا، ثم يتهمون اليهود ! وهم لا يدعون هذه الفرصة تفلت للتشهير بها والتغرير !
ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله. كان أكبر من كل هذه الاعتبارات الصغيرة. الصغيرة في حساب الإسلام. كان أمر تربية هذه الجماعة الجديدة لتنهض بتكاليفها في خلافة الأرض وفي قيادة البشرية. وهي لا تقوم بالخلافة في الأرض ولا تنهض بقيادة البشرية حتى يتضح لها منهج فريد متفوق على كل ما تعرف البشرية ؛ وحتى يثبت هذا المنهج في حياتها الواقعية. وحتى يمحص كيانها تمحيصا شديدا ؛ وتنفض عنه كل خبيئة من ضعف البشر ومن رواسب الجاهلية. وحتى يقام فيها ميزان العدل - لتحكم به بين الناس - مجردا من جميع الاعتبارات الأرضية، والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئا كبيرا لا يقدرون على تجاهله !
واختار الله - سبحانه - هذا الحادث بذاته، في ميقاته.. مع يهودي.. من يهود التي يذوق منها المسلمون الأمرين إذ ذاك في المدينة ؛ والتي تؤلب عليهم المشركين، وتؤيد بينهم المنافقين، وترصد كل ما في جعبتها من مكر وتجربة وعلم لهذا الدين ! وفي فترة حرجة من حياة المسلمين في المدينة، والعداوات تحيط بهم من كل جانب. ووراء كل هذه العداوات يهود !
اختار الله هذا الحادث في هذا الظرف، ليقول فيه - سبحانه - للجماعة المسلمة ما أراد أن يقول، وليعلمها به ما يريد لها أن تتعلم !
ومن ثم لم يكن هناك مجال للباقة ! ولا للكياسة ! ولا للسياسة ! ولا للمهارة في إخفاء ما يحرج، وتغطية ما يسوء !
ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرية ! ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها !
هنا كان الأمر جدا خالصا، لا يحتمل الدهان ولا التمويه ! وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله. وأمر هذه الأمة التي تعد لتنهض بهذا المنهج وتنشره. وأمر العدل بين الناس. العدل في هذا المستوى الذي لا يرتفع إليه الناس - بل لا يعرفه الناس - إلا بوحي من الله، وعون من الله.
وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة - في جميع الأمم على مدار الزمان - فيراها هنالك.. هنالك في السفوح.. ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح الهابطة صخورا متردية، هنا وهناك، من الدهاء، والمراء، والسياسية، والكياسة، والبراعة، والمهارة، ومصلحة الدولة، ومصلحة الوطن، ومصلحة الجماعة.. إلى آخر الأسماء والعنوانات.. فإذا دقق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها.. الدود.. ! ! وينظر الإنسان مرة أخرى فيرى نماذج الأمة المسلمة - وحدها - صاعدة من السفح إلى القمة.. تتناثر على مدار التاريخ، وهي تتطلع إلى القمة، التي وجهها إليها المنهج الفريد.
أما العفن الذي يسمونه " العدالة " في أمم الجاهلية الغابرة والحاضرة، فلا يستحق أن نرفع عنه الغطاء. في مثل هذا الجو النظيف الكريم..

والآن نواجه نصوص الدرس بالتفصيل :

وإتباع هذا التذكير بالنهي عن أن يكون خصيما للخائنين، يدافع عنهم ويجادل. وتوجيهه لاستغفار الله - سبحانه - عن هذه المجادلة.
( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله. ولا تكن للخائنين خصيما. واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيمًا )..

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير