ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘ

وقوله تعالى: وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا قال الزجاج: أي لا تكن مخاصمًا ولا دافعًا عن خائن (١).
وخصيمك الذي يُخاصمك، وجمعه خصماء، وأصله من الخصم وهو ناحية الشيء وطرفه، والخصم طرف الراوية (٢)، وطرف الفراش، وقيل للخصمين خصمان؛ لأخذ كل واحد منهما في ناحية من الحجج والدعوى وخصوم السحابة جوانبها (٣)، قال الأخطل (٤):

إذا طعنتْ فيها الجنوبُ تحاملتْ باعجازِ جرّارٍ تداعى خُصومُها (٥)
أي: تجاوب جوانبها بالرعد، وطعن الجنوب فيها سوقها إياه. والجرّار الثقيل ذو الماء، تحاملت باعجازه: دفعت أواخره (٦).
١٠٦ - قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ. قال مقاتل: من جدالك عن طعمة (٧).
(١) "معاني القرآن وإعرابه" ٢/ ١٠١، وانظر: "زاد المسير" ٢/ ١٩٢.
(٢) في المخطوط: "الرواية" وهو تصحيف، انظر: "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٤٢، و"اللسان" ٢/ ١١٧٧ (خصم).
والراوية هي المرادة. انظر:"الصحاح" ٦/ ٢٣٦٤ (روي).
(٣) من "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٤٢ (خصم) بتصرف، وانظر: "اللسان" ٢/ ١١٧٧ (خصم).
(٤) هو أبو مالك غياث بن غوث شاعر مسيحي من شعراء الدولة العباسية، توفي سنة ٩٠ تقريبًا. انظر: "طبقات الشعراء" ص ١٤٧، و"الشعر والشعراء" ص ٣١٩، و"الأعلام" ٥/ ١٢٣.
(٥) ديوان الأخطل ص ٣١٩، و"تهذيب اللغة" ١/ ١٠٤٢، و"اللسان" ٢/ ١١٧٧ (خصم)، والجنوب: ريح الجنوب.
(٦) "تهذيب اللغة" ١/ ١٠٤٢ (خصم).
(٧) "تفسير مقاتل" ١/ ٤٠٥، و"الكشف والبيان" ٤/ ١١٧ أ.

صفحة رقم 72

وقال السدي: (مما أردت من جدالك عنه) (١).
وقال [....] (٢): ("من همك بقطع اليهودي" (٣) ونحوه روي عن ابن عباس) (٤).
وقال الكلبي: من همك باليهودي أن (....) (٥).
فإن قيل: فهل كان للنبي - ﷺ - في هذه القصة ذنب حتى أمر بالاستغفار؟
قيل: الأصل في هذا أن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون عن الكبائر، وذلك بإجماع العلماء (٦). فأما الصغائر: فمن العلماء من قال: كانوا معصومين عنها (٧)، ومنهم من قال: ما كانوا معصومين عنها (٨).
وكذلك الخلاف في جواز السهو والنسيان عليهم (٩)، مع إجماعهم على أن السهو غير جائز عليهم في تبليغ الوحي، وأن السهو إن وقع فهو في غير الوحي، فإنَّ الله لا يقررهم على السهو، بل ينبهم، والصحيح أن السهو

(١) ما بين القوسين لم يتضح جيدًا في المخطوط، وانظر: "الوسيط" ٢/ ٦٩٨، ولم أقف على من خرجه.
(٢) لم يتضح اسم القائل، وكأنه مجاهد.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١١٧ أ.
(٥) ما بين القوسين كلمة غير واضحة في المخطوط، وأظنها: "تقطعه". انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١١٧ أ، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٦.
(٦) انظر: "الفقه الأكبر" لأبي حنيفة مع شرحه ص ٨٨، ٨٩، و"أصول الدين" للبغدادي ص ١٦٧، ١٦٨.
(٧) انظر: "الفقه الأكبر مع شرحه" ص ٨٨، ٨٩.
(٨) انظر: "أصول الدين" ص ١٦٨، والقرطبي ٥/ ٣٧٧.
(٩) انظر: "أصول الدين" ص ١٦٨.

صفحة رقم 73

والنسيان جائز عليهم، وعلى هذا دلت الأخبار (١).
فأما ذنب النبي - ﷺ - في هذه القصة فقد قيل: إنه همّ بقطع اليهودي (٢).
وقيل: إنَّه جادل عن طعمة، حتى قال للمدعي: عمدت إلى رجل مسلم ورميته بالسرقة من غير بينة (٣).
وهذا مما يؤمر بالاستغفار عنه.
والذين قالوا: لا تجوز الصغائر عليهم قالوا: إنه أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كما يقول القائل: "اسْتَغْفِرِ اللهِ" مكررًا له مرات كثيرة، على جهة التسبيح من غير أن يقصد بذلك إلى التوبة من ذنبٍ كره (٤).
وقال بعض أهل العلم: استغفار الرسل إما أن يكون للأمة، واما أن يكون لذنب قبل النبوة، وإما أن يكون لزيادة الدرجة (٥). وقد رُوي عن رسول الله أنه قال: " إن الله تعالى ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة" (٦) معناه زيادة الدرجات.
قال أبو إسحاق: عرّف الله تعالى نبيه - ﷺ - قصة طعمة، وأعلمه أنه خائن، ونهاه أن يحتج له، وأمره بالاستغفار مما هم به، وأن حكم بما أنزل

(١) قال البغدادي: "وأما السهو والخطأ فليسا من الذنوب، فلذلك ساغا عليهم. وقد سهى نبينا - ﷺ - في صلاته، حتى سلم من الركعتين، ثم بني عليها وسجد سجدتي السهو". "أصول الدين" ص (١٦٨)، وانظر: "شرح الفقه الأكبر" ص ٩٢، ٩٣.
(٢) تقدم هذا القول عن ابن عباس وغيره.
(٣) أخرجه الطبري في الأثر الطويل عن قتادة بن النعمان ٥/ ٢٦٦. وتقدم قريبًا نحوه عن السدي ومقاتل. انظر ص ٤٠١.
(٤) هكذا هذه الكلمة في المخطوط ولعل الصواب: ذكره، فسقطت الذال من الناسخ.
(٥) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١١٧ ب.
(٦) لم أقف عليه.

صفحة رقم 74

الله في كتابه فقال: وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ يعني طعمة ومن عاونه من قومه، وهم يعلمون أنه سارق (١). والاختيان كالخيانة، يقال: خانه واختانه. وذكر ذلك عند قوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ١٨٧] ومعنى (يختانون أنفسهم): يخونوها (٢) بالمعصية، والعاصي خائن لأنه مؤتمن على دينه.
ويجوز أن يكون المعنى: أن وبال خيانتهم راجع إليهم بالفضيحة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، فكأنهم خانوا أنفسهم وإن خانوا غيرهم في الظاهر (بالسرقة كما يقال لمن ظلم غيره: إنه قد ظلم نفسه.
وقد صرحت الآية بالنهي) (٣) عن المجادلة عن الظالمين في القليل والكثير، ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - جادل عن طعمة على غير بصيرة، (.. (٤)..) الله تعالى بهذا، وأمره بالاستغفار، ونهاه عن المعاودة إلى مثله، فما ظنك بمن يعلم ظلم الظالم، ثم يستجيز معاونته؟!
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا قال ابن عباس: "يريد خوانًا فاجرًا" (٥).
قال المفسرون: إن طعمة خان في الدرع، وأثم في رميه اليهودي، فقال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (٦).

(١) "معاني الزجاج" ٢/ ١٠١.
(٢) هكذا في المخطوط، والصواب: "يخونونها" بالرفع.
(٣) ما بين القوسين متكرر في المخطوط، ولعله سهو من الناسخ.
(٤) ما بِين القوسين كلمة غير واضحة في المخطوط، والظاهر أنها: فعاتبه.
(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص ٩٦، وانظر: "بحر العلوم" ١/ ٣٨٥.
(٦) من الثعلبي في "الكشف والبيان" ٤/ ١١٧ ب بتصرف.

صفحة رقم 75

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية