ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠ

(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) السوء هو الأمر الذي يحدث غما وألما، سواء أكان لفاعله، أم كان لغير فاعله، ولكن بمقابلته بقوله تعالى:

صفحة رقم 1847

(أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) لَا بد من أن تفسر الكلمتان بمعنيين متغايرين، وقد تكلم في ذلك المفسرون، وأحسن ما رأينا هو ما قاله الزمخشري من أن السوء هو ما يكون فيه أذى للغير، كالقذف والشتم والسب، ونحو ذلك، وأما ما يكون فيه ظلم للنفس، فهو ما لَا يكون فيه أذى مباشر للغير ابتداء، كالفاحشة، وشرب الخمر، وترك الصلاة والصوم والحج، وغير ذلك من المعاصي التي لَا تتجاوز غير صاحبها مباشرة وابتداء، وإن كانت في مآلها تتعدى إذا تفشت الأمة وكثرت فيها.
ولا بد أن نذكر بإجمال عبارات في بعض الإشارات البيانية القرآنية: الأولى - عن التعبير بقوله تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا) فإن هذا التعبير يشير إلى أن نفسه لم تركس في الشر، ولم يستغرقها، بل إنه عمل عارض، ولذا كان التعبير (يَعْمَلْ)، وهذا في مقابل قوله في الطبقة الثانية: (يَكْسِبْ)، فإن الكسب كما تبين يشير إلى تدنس النفس، وارتكاسها في الشر، أما العمل ففي ظاهر الأمر إنه لَا يتجاوز الجوارح؛ ولذا كانت التوبة قريبة، وكان الاستغفار غير بعيد.
الثانية - أن التعبير عن المعاصي الشخصية التي لَا تتعدى صاحبها ابتداء بظلم النفس، فيه معان واضحة، فهي تفيد أن كل ما نهى الله عنه فلمصلحة العبد، فإن تجاوز حدود ما نهى الله عنه فقد وقع في ضرر مؤكد. وفيه تنبيه إلى أن المعاصي، سواء أكانت إيجابية كشرب الخمر، أم سلبية كترك الصلاة والصوم، مغبة وقوعها تكون على العبد ابتداء، ثم تكون على غيره من بعد.
وفى الحق أن كل ما نهى الله عنه، وما أمر به فهو لمصلحة الجماعة، ومخالفة أمر الله فيه ظلم للنفس وإساءة للمجتمع، بيد أن بعضه يكون أثره مباشرا، إما على الغير كالقتل والاعتداء بكل أنواعه، أو يكون أثره المباشر على شخص المرتكب، ثم يتعدى إلى المجتمع من وراء ذلك، حتى أن مَنْ ظَلَمَ النفس عده الله تعالى اعتداء على حقه تعالى، كالزنا وشرب الخمر، وكونه ظلما للنفس لا يمنع أنه اعتداء على حق الله تعالى وذلك للمآل والآثار، لَا بالمباشرة.

صفحة رقم 1848

الثالثة - أن التعبير بـ " ثم " في قوله تعالى: (ثم يستغفر الله) - للإشارة إلى تفاوت ما بين المعصية والاستغفار، فالتراخي الذي دلت عليه كلمة " ثم " تفاوت معنوي، وليس بتراخ زمني لأن من يعمل السوء أو يظلم نفسه من غير أن يحيط بالنفس، توبته قريبة، كما قال تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧).
والاستغفار هو طلب المغفرة، وذلك يقتضي الإقلاع عن الذنب، والندم على ما كان منه، والالتجاء إلى الله تعالى فالاستغفار هو التوبة النصوح، ومن مقتضيات هذه التوبة أن يرد الحقوق إلى أصحابها، ويطلب العفو ممن أساء إليه؛ لأن حقوق العباد لَا تتحقق فيها التوبة إلا إذا ردت إلى أصحابها، أو كان العفو منهم.
وقوله تعالى: (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا)، يفيد استجابة طلب الغفران إن تحققت شرائطه، ولم يصب النفس بدنس، فالمعنى إن استغفر وتاب وأناب استحق المغفرة، لأنه يعلم وصف الله تعالى لذاته العلية بأنه المتصف بصفة الغفران والرحمة، وكان من رحمته أن يقبل توبة التائب، ويعاقب العاصي المصر. ثم ذكر سبحانه المرتبة الثانية في المعاصي بقوله:
* * *

صفحة رقم 1849

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية