ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

٤٣١- في هذه الآية من المسائل : ما معنى النجوى ؟ وكيف يقابل الجمع، فإن النجوى مفرد، والضمير جمع ؟ وكيف يكون الاستثناء متصلا مع أن النجوى لا تعلق، و " من " لمن يعقل ؟ ولم قال : في كثير من نجواهم ؟ ولم قال : في نجواهم مطلقا، ويصح(١) المعنى مع الاستثناء ؟
والجواب : إن النجوى هو كلام السر، وقيل : النجوى كلام الجماعة المنفردة كان سرا أم لا.
وأما مقابلة الجمع بالمفرد، فالذي رأيته للمفسرين والنحاة في هذا وأمثاله أنه مصدر، والمصدر يتناول القليل والكثير، فلذلك عبر به عن الجمع.
وكذلك يفرق صاحب الكشاف وغيره بين قوله تعالى : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة لم أفرد السمع وجمع الأبصار ؟ فيقول : لأنه مصدر يصلح للكثير أو يتناول الكثير بخلاف البصر(٢). وهو كثير في القرآن.
وعندي أن عليه إشكالين :
أحدهما : أن المصدر نحو " قياما " إنما وضع للقدر المشترك بين أفراد القيام واللفظ الموضوع للمشترك من أفراد، وأنواع لا يتناول خصوصيات تلك الأفراد وتلك الأنواع، وكذلك أسماء الأجناس موضوعة للمشترك دون الخصوصيات. ومن ادعى في مصدر منكر أنه من صيغ العموم فقد غلط في اللغة. وإذا استوى القسمان في الدلالة على المشترك وعدم الدلالة على الخصوصيات سقط الفرق الذي يشيرون إليه.
وثانيهما : أن اللفظ الدال على المشترك إذا استعمل في أحد أنواعه وأفراده من حيث هو ذلك الخاص كان مجازا لا حقيقة، فلا يحصل المقصود من التعبير عن الجمع به بمقتضى اللغة.
والسؤال إنما ورد على ما تدل اللغة عليه وما تقتضيه حقيقة، وإذا فتحنا باب المجاز جاز في جميع الأسماء كانت مصادر أم لا، ويبقى السؤال على حاله، بل الصواب في هذه الآية أنها على قاعدة التعبير عن اسم الفاعل بالمصدر نحو : " رجل عدم وصوم ". أي : " عادل وصائم ". ويصير معنى الآية : " لا خير في المتناجين إلا من أمر بصدقة ". أو نقول : إن اسم الجنس إذا أضيف عم أفراده، كقوله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " (٣)، يعم جميع أفراد الماء وأفراد الميتة. و " نجواهم " هاهنا أضيف إلى الضمير، فيكون عاما، فما قوبل الجمع إلا بالجمع، فإن العموم جمع متناه.
ويتصل الاستثناء بالحذف من الأول من المستثنى، إما أن نقول : " لا خير في ذي كثير من نجواهم إلا من أمر ". أو نقول : " لا خير في كثير من نجواهم إلا نجوى من أمر ". فنستثني نجوى من نجوى، أو من يعقل ممن يعقل فيصير الاستثناء متصلا، والمعنى عليه لا على الانقطاع. وأما تعيين كثير النجوى دون التعميم فلأنه لو عمم لم يقف الاستثناء عند غاية، فضلا عن الثلاثة المذكورة، لأن من جملة النجوى الكلام في التوحيد وآيات الله تعالى ومواعظه وغير ذلك مما هو تلاوة مطلقة وإخبار من غير أمر.
والمستثنى إنما هو ما كان أمرا خاصا، فيخرج الخبر والنهي والاستفهام وجميع ما هو مأمور به من ذلك، فإذا قال : " كثير " أخذ طائفة من النجوى فقط، وترك بقيتها، فحسن أن يستثنى ما ذكرته في الآية. ( الاستغناء : ٣٢١ إلى ٣٢٣ )
٤٣٢- في الصحاح : " الصلح هو اسم لمصدر يذكر ويؤنث. والمصدر : الصلاح ضد الفساد والمصالحة أيضا. وقد اصطلحا وتصالحا وإصلاحا- مشدد الصاد- وصلح الشيء يصلح صلوحا مثل : دخل يدخل دخولا. وصلح- بضم اللام- وصلاح مثل فطام، اسم مكة. والصلاح والإصلاح ضد الفساد والإفساد(٤). وأصله في الشرع قوله تعالى : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس . ( شرح التنقيح : ٣٢٤ )

١ - كذا في الأصل المطبوع، ولعل الصواب: وهل يصح....
٢ - ن: عبارة الزمخشري في الكشاف: ١/١٦٤ أو في ص: ١٠ من هذا التفسير المجموع..
٣ - أخرجه أبو داود في سننه كتاب: الطهارة، الباب: ٤١. ومالك في الموطأ. ح: ١٢. وأحمد في مسنده: ٢/٢٣٧..
٤ - ن: الصحاح للجوهري: ١/٣٨٣- ٣٨٤ بتصرف..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير