لا خير في كثير من نجواهم النجوى السر كذا في القاموس وناجيته ساررته، قال في الصحاح : أصله أن تخلو به في نجوة من الأرض يعني ما ارتفع منها، وقيل أصله من النجاة وهو أن يعاونه على ما فيه خلاصه، قال البغوي : النجوى هو الإسرار في التدبير وقيل : النجوى ما يتفرد بتدبيره قوم سرا كان أو جهارا ويؤيده قوله تعالى : وأسروا النجوى (١) ومعنى الآية لا خير في كثير مما به بينهم، وجاز أن يكون المصدر بمعنى الفاعل والمراد به الرجال المتناجون كما في قوله تعالى : وإذ هم نجوى (٢) والضمير المجرور عائد إلى قوم ابن أبيرق الذين يستخفون من الناس إذ هم يبيتون ما لا يرضى الله من القول، وقال مجاهد : الآية عامة في حق جميع الناس فعلى تقدير عوده إلى قوم ابن أبيرق قوله تعالى : إلا من أمر بصدقة الاستثناء منقطع لأن من أمر بصدقة غير داخلين فيهم وعلى تقدير عود الضمير إلى جميع الناس استثناء متصل من الضمير المذكور، وقيل هذا استثناء من قوله : كثير من نجواهم فإن كان النجوى بمعنى الفاعل فلا خفاء فيه وإن كان بمعنى المصدر يقدر المضاف يقدر المضاف في المستثنى يعني لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة. ويرد أن هذا الاستثناء لا يجوز لأنه مثل جاءني كثير من الرجال إلا زيد لعدم الجزم بدخول زيد في كثير ولا في خروجه فلا يصح المتصل ولا المنقطع، وأجيب بأن المراد لا خير في كثير من نجوى وأحد منهم إلا نجوى من أمر وهذا الجواب لا يتأتى إذا كان النجوى بمعنى المتناجي إذ لا معنى لأن يقال لا خير في كثير من متناجى كل واحد منهم والظاهر إن إلا هاهنا بمعنى غير صفة كما في قوله تعالى : لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا (٣) أو معروف أي ما يعرف حسنها شرعا من أعمال البر، قيل : المراد القرض وإعانة الملهوف وصدقة التطوع، وبالصدقة الزكاة المفروضة أو إصلاح بين الناس عطف على معروف تخصيص بعد تعميم لمزيد الاهتمام، أو يقال قد يباح لأجل الإصلاح بين الناس ما ليس بمعروف في غيره كالكذب. عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكانت من المهاجرات الأول قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نمى خيرا " (٤) متفق عليه، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة ؟ قال : قلنا بلى، قال : إصلاح ذات البين وإفساد ذات البين هي الحالقة " (٥) رواه أبو داود والترمذي وقال هذا حديث صحيح، وعن أسماء بنت يزيد قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يحل الكذب إلا في ثلاث : كذب الرجل امرأته ليرضيها والكذب في الحرب والكذب ليصلح بين الناس " (٦) رواه أحمد والترمذي ومن يفعل ذلك أي الأمر بأحد هذه الأشياء أو أحد هذه الأشياء المذكورة يعني الصدقة وأختيه، والظاهر هو الأول واختار البيضاوي الثاني وقال بني الكلام على الأمر ورتب الجزاء على الفعال ليدل على أنه لما دخل الأمر في زمرة الخيرين كان الفاعل أدخل فيهم وأن العمدة والغرض هو الفعل والأمر وصلة إليه ابتغاء مرضات الله قيد الفعل به لأن من فعل رياء أو سمعة لم يستحق الأجر " إنما الأعمال بالنيات " (٧) متفق عليه من حديث عمر مرفوعا فسوف نؤتيه قرأ حمزة وأبو عمرو بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب أجرا عظيما يستحقر في جنبه أغراض الدنيا، روى الشيخان في الصحيحين وأحمد عن أبي شريح الخزاعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت " (٨) وروى البيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" رحم الله امرئ تكلم فغنم أو سكت فسلم ".
٢ ؟؟؟؟؟.
٣ سورة الأنبياء، الآية: ٢٢..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في إصلاح ذات البين (١٩٣٨)..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع وأخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في إصلاح ذات البين (٤٩١١)..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في إصلاح ذات البين (١٩٣٩)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: قوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات" (١٩٠٧)..
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (٦٠١٨) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير (٤٧)..
التفسير المظهري
المظهري