الربع الثالث من الحزب العاشر
في المصحف الكريم
يتناول هذا الربع موضوعات متنوعة، اعتقادية وأخلاقية، كما يتناول جوانب من العبادات، وأخرى من المعاملات.
وأول آية فيه تبين أن أكثر ما يتناوله الناس في أحاديثهم من القيل والقال لا خير فيه، ولا فائدة من ورائه، وأن أحسن الحديث الذي ينبغي أن يشغل المسلمون أنفسهم به هو حديث البر والمعروف وإصلاح ذات البين، وذلك بقصد حضهم على الاتجاه وجهة الخير، وتنفيرهم من الاتجاه وجهة الشر، فيما يتبادلونه من آراء وأفكار، حيث إن الفكر عادة هو الذي يدفع إلى العمل، فإذا كانت أحاديث الناس ومحاوراتهم تنحو نحو الهدم اتجهت أعمالهم للهدم لا محالة، وعلى العكس من ذلك إذا كانت مشاغلهم الفكرية تنحو نحو البناء اتجهت أعمالهم إلى البناء بدل الهدم، وذلك قوله تعالى : لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ . وفي معناه قوله تعالى : وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ .
وثاني آية في هذا الربع تبين حكم الله فيمن تعمد مخالفة الرسول والمؤمنين بعدما ظهر له وجه الحق فتحدى ملته وأمته، وذهب برأيه وهواه في واد، وترك الملة والأمة في واد، وأصبح معتزلا وحده في شق، وهما بريئتان منه في الشق الآخر. ومن هنا جاء التعبير بكلمة( الشقاق ) في هذا الصدد، وحكم الله فيه هو اعتباره خارجا عن جماعة المسلمين، متمردا على إجماع المؤمنين، له عذاب جهنم وبيس المصير، وذلك قوله تعالى : وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا( ١١٥ ) .
وعلى هذه الآية نفسها اعتمد الإمام الشافعي رضي الله عنه في الحكم بحجية الإجماع، وما يجب له من الإتباع، نظرا إلى أن الشريعة قد ضمنت العصمة من الخطأ لمجموع الأمة " لا تجتمع أمتي على خطأ " فما ثبت في شأنه اتفاقها وتحقق إجماعها عليه، حق لا ريب فيه.
قال ابن كثير بعد ما ذكر احتجاج الشافعي بهذه الآية على حجية الإجماع وأنه اهتدى إلى ذلك بعد التروي والفكر الطويل : " وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها ".
وقوله تعالى : نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى . معناه نكله إلى نفسه في رأيه واختياره، ونستدرجه من حيث لا يعلم، على حد قوله تعالى : فَذَرنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهّذاَ الحَدِيثِ، سَنَستَدرِجُهُم مِّن حَيثُ لاَ يَعلَمُونَ، وَأُملِي لَهُمُ .
وثالث آية في الربع تؤكد من جديد خطورة الشرك بالله، وتقرر مرة أخرى أن هذا الذنب الأكبر على نقيض بقية الذنوب لا غفران له عند الله، بينما غيره يمكن أن يغفره الله لمن يريد، بشرط التوبة وعدم الإصرار.
والسر في ذلك أن الشرك بالله لا يمكن أن يختلط أمره على ذي عقل سليم، وهو ظلم لمقام الألوهية عظيم، إذ أقل نظرة يلقيها العاقل على نفسه وعلى ما حوله ومن حوله تؤكد له وحدانية بديع السماوات والأرض الحكيم العليم، وذلك قوله تعالى : إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا( ١١٦ ) .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري