وساعة يذهب هؤلاء الناس ليحدثوا الرسول في أمر طعمة ابن أبيرق ألم يجلسوا معا ليتدارسوا كيف يفلت طعمة بن أبيرق من الجريمة ؟
لقد قاموا بالتداول فيما بينهم لأمر طعمة واتفقوا على أن يذهبوا للرسول فكانت الصلة قريبة من النجوى ولذلك حرص أدب الإسلام على أن يحترم كرامة أي جليس ثالث مع اثنين فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما لأن ذلك يحزنه.
وقد يكون الأمر جائزا لو كان الجلوس أربعة فواحد يتحدث مع آخر وهناك يستطيع اثنان أن يتناجيا إذن فالنجوى معناها المسارة. والمسارة لا تكون إلا عن أمر لا يحبون أن يشيع وقد فعل القوم ذلك قبل أن يذهبوا إلى الرسول ليتكلموا عن حادثة طعمة بن أبيرق، ولذلك يفضح الحق أمر هذه النجوى، فينزل القول الحق :
لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما( ١١٤ ) .
وسبحانه يوضح أمر هذه النجوى التي تحمل التبييت للإضلال ولكن ماذا إن كانت النجوى لتعين على الحق ؟ إنه سبحانه يستثنيها هنا، لذلك لم يصدر حكما جازما ضد كل نجوى واستثنى منها نجوى من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، بل ويجزي عليها حسن الثواب لذلك قال :" ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الناس فسوف نؤتيه أجرا عظيما ". ويستخدم الحق هنا كلمة " سوف " وكان من الممكن أن يأتي القول " فسنؤتيه أجرا عظيما " لكن لدقة الأداء القرآني البالغة جاءت بأبعد المسافات وهي " سوف ".
ونعرف أن جواب شرط الفعل إذا ما جاء على مسافة قريبة فنحن نستخدم " السين " وإذا ما جاء جواب الشرط على مسافة بعيدة فنحن نستخدم " سوف " وجاء الحق هنا ب " سوف " لأن مناط الجزاء هو الآخرة، فإياك أيها العبد المؤمن أن تقول : لماذا لم يعطيني الله الجزاء على الطيب في الدنيا ؟ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يقل :" فسنؤتيه " ولكنه قال :" فسوف نؤتيه أجرا عظيما " مما يدل على أن الفضل والإكرام من الله، وإن كان عاجلا ليس هو الجزاء على هذا العمل، لأن جزاء الحق لعباده المؤمنين سيكون كبيرا، ولا يدل على هذا الجزاء في الآخرة إلا " فسوف ". ونعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يمني أمته الإيمانية بشيء فهو يمنيها بالآخرة، ولننظر إلى بيعة العقبة عندما جاء الأنصار من المدينة لمبايعة رسول الله :
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه :" بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه(١).
لقد أخذت لنفسك يا رسول الله ونحن نريد أن نأخذ لأنفسنا، ماذا لنا نحن وفينا بهذا ؟ ولنر عظمة الجواب وإلهامية الرد. قال الرسول صلى الله عليه وسلم( لكم الجنة ).
كان في استطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم : إنكم ستنتصرون وإنكم ستأخذون مشارق الأرض ومغاربها وسيأتي لكم خير البلاد الإسلامية كلها لكنه بحكمته لم يقل ذلك أبدا فقد يستشهد واحد منهم في قتال من أجل نصرة دين الله، فماذا سيأخذ في الدنيا ؟ إنه لن يأخذ حظه من التكريم في الدنيا ولكنه سينال الجزاء في الآخرة. لذلك جاء بالجزاء الذي سيشمل الكل، وهو الجنة ليدلهم على أن الدنيا أتفه من أن يكون جزاء الله محصورا فيها، ويحض المؤمنين على أن يطلبوا جزاء الآخرة ونعلم جميعا هذه الحكاية ونجد رجلا يقول لصاحبه أتحبني ؟ فأجاب الصاحب : نعم أحبك، فسأل السائل : على أي قدر تحبني ؟ قال الصاحب : قدر الدنيا. أجاب الرجل : ما أتفهني عندك.
يقول الحق :" ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما " ومن صاحب " نؤتيه " والفاعل لهذا العطاء ؟ إنه الحق سبحانه وتعالى الذي وصف الأجر بأنه أجر عظيم وكأن الحق يبلغنا :
يا معشر الأمة الإيمانية التحموا بمنهج رسول الله وامتزجوا به لتكونوا معه شيئا واحدا وإياكم أن يكون لكم رأي منفصل عن المنهج فهو مبلغ عن الله، فمن آمن به فليلتحم به ولذلك نجد سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه ساعة حدثوه في حكاية الإسراء والمعراج نجده يسأل محدثه : أقال رسول الله ما قلتموه ؟ فيقولون : بلى، لقد قال : فيرد عليهم الصديق : إن كان قال فقد صدق، فالصديق أبو بكر لا يحتاج إلى دليل على صدق ما قال رسول الله.
تفسير الشعراوي
الشعراوي