لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ( النساء : ١١٤-١١٥ )
تفسير المفردات : النجوى : المسارة بالحديث أو هو جمع واحده نجي بمعنى المتناجين : أين المتسارين المعروف : ما تعرفه النفوس وتقره وتتلقاه بالقبول وبغى الشيء : طلبه
المعنى الجملي : لا يزال الحديث في الذين يختانون أنفسهم ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهم طعمة بن أبيرق ومن أراد مساعدته من نبي جلدته.
الإيضاح : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس أي لا خير في كثر من تناجي أولئك الذين يسرون الحديث من جماعة طعمة الذين أرادوا مساعدته على اتهام اليهودي وبهته ومن سائر الناس ولكن الخير كل الخير في نجواي من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس وإنما قال في كثير لأن من النجوى ما يكون في الشؤون الخاصة كالزراعة والتجارة مثلا فلا توصف بالشر ولا هي مقصودة من الخير وإنما المراد بالنجوى الكثيرة المنفي عنها الخير هي النجوى في شؤون الناس ومن ثم استثنى منها الأشياء الثلاثة التي هي جماع الخير للناس.
و الكتاب الحكيم يجعل النجوى مظنة الإثم والشر ومن ثم خاطب الله المؤمنين بقوله :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ومعصية الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( المجادلة : ٩ ).
و السر في كون النجوى مظنة الشر في الأكثر أن العادة قد جرت بحب إظهار الخير والتحديث به في الملأ وأن الشر والإثم هو الذي يذكر في السر والنجوى وفي الأثر :" الإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس ".
و قد استثنى الله من النجوى التي لا خير في أكثرها أمورا ثلاثة لأن خيريتها أو كمالها تتوقف على الكتمان وجعل التعاون عليها سرا والحديث فيها نجوى.
فالصدقة وهي من الخير قد يؤذي إظهارها المتصدق عليه ويضع من كرامته ومن ثم قال عز من قائل : إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ ( البقرة : ٢٧١ ).
و قد يكون الجهر بالأمر بها والحث عليها أشد إيذاء وإهانة من إيتائه إياها جهرا ولو مع الإخلاص وابتغاء مرضاة الله.
و كذلك الامر بالمعروف على مسمع من الناس فكثرا ما يستاء منه المأمور به ولاسيما إذا كان الآمر من أقرانه لأنه يرى في أمره إياه استعلاء عليه بالعلم والفضل واتهاما له بالتقصير أو الجهل فمن ثم كانت النجوى به أبعد عن الإيذاء ومثله الإصلاح بين الناس فإنه ربما ترتب على إظهاره والتحدث به كثير من الشر ألا ترى أن بعض الناس إذا علم ان ما يطالب به من الصلح كان بأمر فلان من الناس لا يستجيب ولا يقبل أو يصده عن الرضا به ذكره بين الناس وعلمه بأنه كان بسعي وتواطؤ.
أخرج البيهقي عن أب أيوب الأنصاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له " يا أيوب ألا أدلك على صدقة خير لك من حمر النعم ؟ " فقال بلى يا رسول الله قال :" تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا " وعن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أفضل الصدقة إصلاح ذات البين ".
ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما أي ومن يفعل هذه الأعمال الثلاثة من الطاعات لوجه الله وطلب مرضاته فإن الله سيؤتيه الثواب العظيم والأجر الجزيل وإنما تنال مرضاة الله بالشيء إذا فعل الوجه الذي يحصل به الخير ويتم به النفع الذي شرع لأجاه وبذا ترقى روح الفاعل له ارتقاء تصل به إلى ذلك الفضل وتنال قربا معنويا من الله وتصير أهلا للجزاء الأوفى في حياة أشرف من هذه الحياة وأرقى.
و الخلاصة : إن ابتغاء مرضاته وإنما تطلب بالإخلاص وعدم السمعة والرياء كما يفعل المتفاخرون من الأغنياء ( تصدقنا. أعطينا. منحنا. عملنا وعملنا ) فهؤلاء إنما يبتغون الربح بما يبذلون أو يعملون لا مرضاة الله تعالى ولذلك يشق عليهم أن يكون خفيا وأن يخلصوا في الحديث عنه نجيا لأن الاستفادة منه بجدب القلوب إليهم وتسخير الناس لخدمتهم ورفعهم لمكانتهم وغنما تكون بإظهاره لهم ليتعلق الرجاء فيهم.
المعنى الجملي : لا يزال الحديث في الذين يختانون أنفسهم ويستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهم طعمة بن أبيرق ومن أراد مساعدته من نبي جلدته.
تفسير المراغي
المراغي