ﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ

إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا
في الآيات السابقة ذكر سبحانه وتعالى ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الزوجين، وما يجب من علاج لأدواء النفوس فيها ووجوب العدالة الممكنة بها، وما يجب عند تعذر العدالة الحقيقية وأنه إذا تعصى الداء، وتعذر العلاج كان الفراق آخر الدواء، وفي هذه الحال يكون كلاهما في سعة من رحمة الله الواسعة، وفي هذه الآيات يشير سبحانه إلى سعة ملكه وأن كل شيء في ملكه وتحت سلطانه، فهو الذي يغني كلا، وهو القادر على كل شيء وأنه بعد بيان عظم قدرته وسلطانه يبين وجوب العدالة بين الناس في علاقتهم بعضهم ببعض، كما يقول سبحانه : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله... ( ١٣٥ ) ( النساء )، وقد توسطت هذه الآيات الدالة على عظم سلطان الله تعالى بين الأمر بالعدل في داخل الأسرة، وهي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وبين الأمر بالعدالة في المجتمع الأكبر، وكان ذلك التوسط لتربية المهابة من الله في قلب المؤمن، فيتجه إلى العدل الذي هو ميزان العلاقات الإنسانية كلها.
وقد جاء في تفسير الطبري وجه آخر للمناسبة قال فيه ما نصه :" وإنما ذكر جل ثناؤه ذلك بعقب قوله : وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته تنبيها منه لخلقه على موضع الرهبة عند فراق أحدهم زوجه، ليفزعوا إليه عند الجزع من الحاجة والفاقة والوحشة بفراق سكنه وزوجه، وتذكيرا منه أنه هو الذي له الأشياء كلها، وأن من كان له ملك جميع الأشياء فغير متعذرا عليه أن يغنيه وكل ذي فاقة وحاجة ويؤنس كل ذي وحشة "
والمعنى الجملي للنص السامي : إن يشأ الله تعالى أيها الناس إفناءكم ويأت بآخرين فإنه سبحانه وتعالى يفعل، لأنه على ذلك قادر قدرة مطلقة لا يحدها حد، وهي العاملة الشاملة لكل شيء، وهنا نجد جواب الشرط قد حذف ودل عليه قوله تعالى : وكان الله على ذلك قديرا وحذفه مع ما يدل عليه يجعل الذهن يتجه إلى تعرف مدى عظمته وقدرته، وحذف مفعول المشيئة في قوله : إن يشأ قد دل عليه جواب الشرط في قوله : يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين .
ومن هم الناس الذين خوطبوا بذلك الخطاب ؟ يحتمل هذا وجهين : أحدهما : أن يكون الخطاب للناس في أمة محمد، ومن كانوا قبلهم، ويكون الكلام تابعا لمقول القول المقدر عند من قدره في قوله تعالى : وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات ويكون أيضا قوله تعالى : ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا له هذه التبعية. ويكون الكلام كله في خطاب السابقين واللاحقين. وقد قلنا إن ذلك غير الظاهر.
والوجه الثاني : أن يكون الخطاب في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو بهذا يشمل المؤمنين والمشركين. ويكون للمشركين بشكل خاص. وإن اختلاف التوجيه على هذا النحو يترتب عليه الاختلاف في جواب الشرط، وهو من الذين يذهبهم الله تعالى ويأتي بآخرين وله القدرة التامة على تنفيذ ما يقول تعالى ؟ فعلى الوجه الأول يكون المعنى : إن يشأ سبحانه أن يذهب بهذا العالم الإنساني ويأتي بعالم آخر يعبده ويؤمن به فإنه الفاعل المختار المريد، ويكون القصد بيان قدرة الله تعالى الشاملة وإثبات أن كفر الكافر ليس بعيدا عن تقديره، وإيمان المؤمن كذلك، فهو الذي خلق الإنسان صالحا لأن يسلك طريق الشر وطريق الخير وأن ذلك بإرادته ولو أراد غيره لكان ما أراد لأنه هو الذي يقول للشيء كن فيكون وهو الذي خلق الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ويكون ذلك كقوله تعالى : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد( ١٦ ) ( فاطر ).
وعلى التوجيه الثاني وهو أن يكون الخطاب للمشركين الكافرين بالرسالة المحمدية والمسلمين الذين يكونون على طرف الإسلام يكون المعنى إن استمررتم على الشرك أو كان منكم الكفر بعد الإيمان فإن الله تعالى بمقتضى سننه في الفطرة الإنسانية يفنيكم بإذهاب قوتكم وسيطرة الفساد عليكم، ويجيء من بعدكم من ينصر الحق، ويكون النص كقوله تعالى : وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم( ٣٨ ) ( محمد ) وكقوله : يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه( ٥٤ ( المائدة : ٥٤ ) وقد ذيل الله سبحانه النص الكريم ببيان قدرته الكاملة على ذلك التغيير، فقال تعالى :
وكان الله على ذلك قديرا أي أن الله سبحانه وتعالى قدير على ذلك التغيير والتبديل الذي تستغربونه وتستبعدونه وقد قدم الجار والمجرور وهو قوله على ذلك لموضع الاهتمام وهو التغيير والتبديل الذي يستبعدونه لفرط إحساس المشركين بقوتهم وغرورهم بدولتهم واستضعافهم لشأن المؤمنين الصادقين.

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو زهرة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير