قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا يعني من كان يطلب الدنيا بعمله الذي يعمل ولا يريد به وجه الله، فليعمل لآخرته كما قال: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة، وهو الجنة. ويقال: في الآية مضمر فكأنه يقول: من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يريد ثواب الاخرة نؤته منها، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: كان المشركون مقرين بأن الله خالقهم، وأنه يعطيهم خير الدنيا، فأخبر الله تعالى أن خير الدنيا والآخرة إليه. وروي عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين: أنتم لا تريدون الدنيا ولا الآخرة، لأن الدنيا والآخرة لله تعالى، فاعبدوه إما لأجل الدنيا وإما لأجل الآخرة. وروي في بعض الأخبار أن في جهنم وادياً تتعوذ منه جهنم، أعد للقراء المرائين. ثم قال: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً يعني عالماً بنية كل واحد منهم. وروى سهل بن سعد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال:
«نِيَّةُ المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَعَمَلُ المُنَافِقِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ». وكان يعمل على نيته.
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣٥ الى ١٣٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧)
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ أي كونوا قوامين بالعدل، وأقيموا الشهادة لله بالعدل، ومعناه قولوا الحق وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أي وإذا كانت عندكم شهادة، فأدوا الشهادة ولو كانت الشهادة على أنفسكم أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ثم قال:
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً أي أدوا الشهادة لا تكتموها، سواء كان لغني أو لفقير، ولا تميلوا إلى الغني لأجل غناه، ولا تكتموا الشهادة على الفقير لأجل فقره. ويقال: اشهدوا على الوالدين كانا غنيين أو فقيرين فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما أي بالغني وبالفقير. ويقال: أولى بالوالدين وأرحم بهما إن كانا غنيين أو فقيرين. ثم قال: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أي لا تشهدوا بهواكم، ولكن اشهدوا على ما شهدتم عليه.
ثم قال تعالى: أَنْ تَعْدِلُوا يعني أولى بهما أن تعدلوا على وجه التقديم والتأخير.
ويقال: فلا تتبعوا الهوى أن لا تعدلوا. وقال مقاتل: يعني فلا تتبعوا الهوى للقرابة، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق إلى الهوى.
وقال تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أي تحرفوا الشهادة وتلجلجوا بها ألسنتكم، فلا تقيموها على الوجه لتبطل به الشهادة أَوْ تُعْرِضُوا عنها فلا تشهدوا بها عند الحاكم. قرأ حمزة وابن عامر:
وَأَنْ تلوا بواو واحدة يعني من الولاية، يعني أقيموا الشهادة إذا وليتم. وقرأ الباقون:
تَلْوُوا بواوين من التحريف فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من كتمان الشهادة وإقامتها خَبِيراً يعني عالماً. فهذا تهديد للشاهد لكيلا لا يقصروا في أداء الشهادة ولا يكتموها. وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم «مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُقِمْ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ كَانَتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ فَلا يَجْحَد لِحَقَ هُوَ عَلَيْهِ بَلْ يُؤَدِّهِ، وَلاَ يُلْجِئْهُ إِلَى السُّلْطَانِ والخصومة».
قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قال الضحاك: يعني أخبار أهل الكتابين الذين آمنوا بموسى وعيسى، آمنوا بالله ورسوله محمد صلّى الله عليه وسلم. وقال في رواية الكلبي:
نزلت في عبد الله بن سلام وأسيد وأسد ابني كعب، وثعلبة بن قيس وغيرهم، قالوا: يا رسول الله نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وبعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل. فقال لهم النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «بَلْ آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ محمد ﷺ وَكِتَابِهِ القُرْآنِ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ كَانَ مِنْ قَبْلُ».
فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ويقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خاطب به جميع المؤمنين، آمنوا بالله يعني اثبتوا على الإيمان. وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني يوم الميثاق آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ويقال: نزلت في شأن أهل الكتاب لأنه علم أن فيهم من يؤمن، فلقربهم من الإيمان سماهم مؤمنين كما قال: إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ [الدخان: ٢٤] وكانوا لم يغرقوا بعد. ويقال: إنهم كانوا يقولون نحن مؤمنون فقال لهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي بزعمهم كما قال ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] أي بزعمه. قرأ نافع وعاصم عن حمزة والكسائي وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ بنصب النون والزاي وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ
بنصب الألف. وقرأ الباقون (نزل) بضم النون وكسر الزاي، ونزل وأنزل بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
ثم قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي من يجحد بوحدانية الله تعالى وملائكته أنهم عبيده، وبرسله أنهم أنبياؤه وعبيده، وبالبعث بعد الموت فَقَدْ ضَلَّ عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً عن الحق. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا قال مقاتل: يعني آمنوا بالتوراة وبموسى عليه السلام، ثم كفروا من بعد موسى، ثم آمنوا بعيسى عليه السلام والإنجيل، ثم كفروا من بعده ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد صلّى الله عليه وسلم وبالقرآن. ويقال: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا بعيسى، ثم آمنوا بمحمد صلّى الله عليه وسلم مِن قَبْلُ أن
بحر العلوم
أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم السمرقندي