قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ؛ أي فَبنَقْضِهِمُ الميثاقَ الذي أخِذ عليهم في التَّوراةِ وبجَحْدِهِمْ القُرْآنَ والإنْجِيْلَ وبما في التَّوراةِ من نَعْتِ الإسلامِ وصِفَةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقتلِهم الأنبياءَ بغيرِ جُرْمٍ.
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ؛ أي في أوْعِيَةٍ لا تَعِي شيئاً، يقولُ الله تعالى: بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ؛ أي ليسَ كما قالُوا، ولكن خَتَمَ اللهُ على قلوبهم مجازاةً على كفرهم.
فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ؛ أي إلاّ إيْماناً قليلاً لا يَجِبُ أن يسمَّوا به مؤمنين، فذلك أنَّهم آمنُوا ببعضِ الرُّسُلِ والكتُب دون البعضِ. وقال الحسنُ: (فِي هَذا تَقْدِيْمٌ وَتأخِيْرٌ؛ مَعْنَاهُ: بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بكُفْرِهِمْ إلاَّ قَلِيْلاً فَلاَ يُؤْمِنُونَ، وَالْمُرَادُ بالْقَلِيْلِ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَمَنْ تَابَعَهُ). أما دخولُ (مَا) في قولهِ تعالى فَبِمَا نَقْضِهِم فمعناه التأكيدُ؛ كأنه قالَ: فَبنَقْضِهِمُ الْعَهْدَ، وجوابُ قولهِ تعالى فَبِمَا نَقْضِهِم مضمرٌ في الآية؛ تقديرهُ: فَبمَا نَقْضِهِمْ مِيْثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ، هذا لأنَّ أولَ الآيةِ ذمٌّ على الكفرِ، ومَن ذمَّهُ اللهُ فقد لَعَنَهُ، يعني مَن ذمَّهُ على الكُفْرِ. ويقالُ: إن الجالبَ للباقي قولَهُ: فَبِمَا قولُهُ تعالى مِنْ بَعْدُ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ [النساء: ١٦٠] فقوله تعالى فَبِظُلْمٍ بدلٌ من فَبِمَا نَقْضِهِم ، وجوابُهما جميعاً حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ [النساء: ١٦٠].
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني