المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه في سابق الآيات حال الذين يكفرون بالله ورسله ويفرقون بين الله ورسله فيقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض وهم أهل الكتاب بين في الآيات بعض حوادث لليهود تدل على شديد تعنتهم وجهلهم بحقيقة الدين.
فبما نقصهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق أي فبسبب نقض أهل الكتاب للميثاق الذي واثقهم الله به فأحلوا ما حرمه حرموا ما أحله وكفرهم بآياته وحججه الدالة على صدق أنبيائه وقتل الأنبياء الذين أرسلوا لهدايتهم كزكرياء ويحيي عليهما السلام.
وقولهم قلوبنا غلف جمع أغلف وهو ما عليه غلاف : أي لا ينفذ إليها شيء مما جاء به الرسول ولا يؤثر فيها وهذا كقوله حكاية عن المشركين : وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ( فصلت : ٥ ) وغير ذلك من سيئاتهم التي ستذكر بعد – فعلنا بهم ما فعلنا من لعن إلى غضب إلى ضرب الذلة والمسكنة وإزالة الملك والاستقلال لأن هذه الذنوب فرقت شملهم وذهبت بقوتهم وأفسدت أخلاقهم إلى غير ذلك من أنواع البلاء التي سببها الكفر والعصيان.
بل طبع الله عليها بكفرهم طبع الله عليها جعلها كالسكة المطبوعة ( الدراهم مثلا ) في قساوتها وجعلها بوضع خاص لا تقبل غيره : أي ليس ما وصفوا به قلوبهم هو الحق الواقع، بل لأن الله ختم عليها بسبب كفرهم الكسبي وماله من الأثر القبيح في أعمالهم وأخلاقهم، فهم باستمرار على ذلك الكفر لا ينظرون في شيء آخر نظر استدلال واعتبار مع أنه من الأمور التي يصل إليها اختيارهم، ولكنهم لا يختارون إلا ما ألفوا وتعودوا.
فلا يؤمنون إلا قليلا أي إلا قليلا من الإيمان لا يعتد به، لأنه تفريق بين الله ورسله، فالكفر ببعضهم كالكفر بجميعهم، وهم قد كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام.
تفسير المراغي
المراغي