وبعد ذلك يقول الحق :
وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما( ١٥٦ ) .
ويقول قائل : ألم يقل الحق من قبل إن " كفرهم " هو سبب من أسباب طبع الله على قلوبهم ؟ وأقول : إياك أن تقول إن هناك كلمة في القرآن مكررة لأن الذي يتكلم هو الله سبحانه وتعالى الذي لا ينسى شيئا، ولا يكرر من غير داع والكفر أيضا على درجات، مرة يكون الكفر بالله، ومرة يكون الكفر بآيات الله، وثالثة يكون الكفر بالرسل، ورابعة يكون الكفر ببعض النبيين وخامسة يكون الكفر ببعض الكتب السماوية.
إذن فألوان الكفر شتى، والكفر في الآية السابقة كان كفرا بآيات الله، أما كفرهم في هذه الآية فالحق يشرحه :" وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما "، لقد كفروا بعيسى عليه السلام وقالوا البهتان العظيم على مريم هذا كفر بآيات الله وبرسول من عند الله.
وقوله الحق :" وبكفرهم " هو عطف على " نقضهم " وعلى " كفرهم بآيات الله " وعلى " قتلهم الأنبياء " وعلى " قولهم قلوبنا غلف " ونلاحظ هنا أن الحق لم يذكر الباء التي جاءت في أول الآية السابقة حين قال :" فبما نقضهم ميثاقهم ".
وهذا يدل على أننا أمام مناط الرحمة من ربنا سبحانه وتعالى فقد كان يكفي ارتكابهم لأي واحدة من هذه الأعمال المذكورة لكي يطبع الله على قلوبهم، ولكنهم ارتكبوا كل الأعمال المذكورة مجتمعة، ولم يرتكبوا فعلا واحدا منها، وهذا دليل على أن الله لا يترصد لعبيده، ولا يتصيد ويحتال ليوقعهم في الكفر ولكن يحنن العباد إلى الإيمان.
لقد ارتكبوا أربعة أفعال جسيمة : نقضوا الميثاق، وكفروا بآيات الله وقتلوا الأنبياء بغير حق، وادعوا أن الله طبع على قلوبهم.
وحين جعل هذه الأفعال الأربعة جريمة واحدة فهذا فضل ورحمة منه.
وبعد ذلك يذكر لهم جريمة أخرى : " وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما " وهنا نجد أنه سبحانه قد ساوى بين قولهم البهتان على مريم وبين كل الأفعال السابقة، لأنهم اعترضوا على رسالة ونبوة عيسى عليه السلام وهو نبي من أولي العزم من الرسل بأشياء قد تكون ضمن الأسباب التي فتنت بعض الناس فيه، لقد خلقه الله خلقا خاصا، فسبحانه خلق الناس جميعا من آدم عليه السلام الذي صوره الله من طين ثم نفخ فيه الروح، وجاء الخلق من التزاوج.
أما عيسى عليه السلام فقد خلقه الله بطريقة خاصة، فكيف كفروا به وكيف يتهمون أمه مريم عليها السلام وهي البتول ؟.
ومن الجائز أن تتهم المرأة وترمي وتوصف بكل شيء، كاذبة، سارقة أو دميمة لكن الاتهام في العرض : لا، والحق هنا يحدد موضوعين للكفر : قولهم البهتان على مريم وهو كفر بالله، وكفرهم بعيسى الذي جاء بميلاد على غير طريقة الميلاد العادية على الرغم من أن هذا تكريم له ولذع لليهود الذين غرقوا في المادية حتى إنهم قالوا( أرنا الله جهرة ).
بل إن الحق رزقهم برزق غيبي لا يعرفون أسبابه : في التيه رزقهم بالمن والسلوى والمن في لون القشدة وطعم العسل الأبيض وهو شيء يقع على أوراق الشجر في بعض البيئات والسلوى طائر يشبه السمانى، وكانوا يأخذون المن من الأشجار ويجمعونه ويأكلونه رزقا يأتيهم ولا يزرعونه ولا يتبعون فيه، لكنهم قالوا : لا، نحن نريد أن نزرع نباتا ينمو من الأرض ولا ننتظر الغيب لأن الغيب قد يضن علينا.
فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها ( من الآية٦١سورة البقرة ).
هم إذن لا يثقون بما في يد الله، ويريدون الأمر المادي ولذلك يلفتهم الحق سبحانه وتعالى لفتة قسرية ويأتي بأمر يناقض قانون المادة من أساسه وهو ميلاد عيسى عليه السلام بأسلوب غير تقليدي والإنسان يأتي إلى الدنيا من أب وأم، ويأتي الحق بعيسى مخلوقا من أم دون أب، فانتقضت المادية وهم كماديين غفلوا عن الخلق الأول :
أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد( ١٥ ) ( سورة ق ).
إذن فلماذا الفتنة في عيسى عليه السلام ؟ لقد نقض أمامهم الأساس التقليدي المادي لمجيء الإنسان إلى الدنيا من ذكر وأنثى وجاء عيسى عليه السلام من أم دون أب، ليثبت سبحانه طلاقة القدرة وأنه جعل الأسباب للبشر، فإن أراد البشر مسببا فعليهم أن يأخذوا الأسباب، أما سبحانه وتعالى فهو مسبب الأسباب وخالقها وهو القادر وحده على إيجاد الشيء بتنحيه كل الأسباب.
ونعلم أن قضية الخلق دارت على أربعة أنحاء، إما أن ينشأ الشيء من وجود الشيئين هذه هي الصورة الأولى، وإما أن ينشأ الشيء من عدم وجود الشيئين وهذه هي الصورة الثانية، وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الأول وعدم وجود الشيء الثاني، وهذه هي الصورة الثالثة، وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء الثاني مع عدم وجود الشيء الأول، وهذه هي الصورة الرابعة.
تلك هي الصور الأربع لوجود شيء ما ولم يشأ الله أن يجعل الخلق وهو الإنسان المكرم الذي سخر له الحق كل ما في الكون على نحو واحد حتى لا يقولن أحد : إن السببية مشروطة للوجود.
بل المسبب هو المشروط في الوجود بدليل أنه سبحانه خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وخلقنا جميعا نحن من أب وأم، وخلق عيسى عليه السلام من أم دون أب، وخلق حواء من أب دون أم.
هذه هي القسمة العقلية الواضحة فليست المسألة عنصرية موجودة ولكن قيمة واقتدار واجد، وقدرة الحق تتجلى أيضا أمامنا حينما تكون الأسباب موجودة كالأب والأم، لكن يشاء سبحانه أن يكون الاثنان عقيمين فهو القائل :
لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور( ٤٩ )أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما ( سورة الشورى ).
إذن فليست المسألة مدار أسباب توجد، بل مسبب يريد أن يوجد وأراد الحق أن يكون مجيء عيسى عليه السلام بهذه الصورة ليلفت بني إسرائيل لعلهم يخرجون من ضلالات المادية، فأوجده من أم دون أب، فكان هذا آية على طلاقة قدرته، ولكن اليهود استقبلوا هذه المسألة استقبالا على غير مراد الله، فكذبوا عيسى، وقد حدث التكذيب من قبل أن يتكلم عيسى بالإنجيل ووقفوا أمام رسالته بعنف، والذي يدلنا على أنهم قوم كذابون، هو رغبتهم في استمرار السيطرة الدينية لهم، وكان عندهم شريعة تقتضي الرجم للزانية، فلماذا إذن لم يتهموا مريم بالزنا عندما ولدت عيسى ؟ ولماذا لم يعاقبوها حسب شريعة التوراة ؟ ولماذا انتظروا إلى أن يجيء عيسى عليه السلام بالإنجيل ليقولوا : يا فاعل يا ابن الفاعلة، كان انتظارهم دليلا على أن ميلاد عيسى عليه السلام كان آية بينة صدعتهم وصدتهم عن ذلك، فقد نطق عيسى عليه السلام بعد ميلاده ولم تتكلم مريم قط، لأن ما حدث أمر فوق منطقها وجهزها الله لهذا الموقف، وأمرها بالصمت عندما يسألونها وأن تشير إلى المولود الذي في المهد :
فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا( ٢٩ )قال إني عبد الله آتني الكتاب وجعلني نبيا( ٢٠ )وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حيا( ٣١ ) ( سورة مريم ).
وانبهروا انبهارا فتت فيهم القوى، فقوى الخصومة ساعة ترى هذا لا تجد إلا الانهيار فالحق أبلج، والباطل لجلج.. إذن كان الأمر بيدهم وفي توراتهم أن من يزن يرجم، فلماذا لم يرجموا أم عيسى إذن ؟ لا بد أنهم صدموا بقوة جعلت موازين حقدهم تختل، المعجزة الباهرة هي كلام عيسى ابن مريم في المهد ( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ) وجعلت المفاجأة أقوى الأقوياء فيهم ينهار، وتخور قواه.
هذا من ناحية اليهود، فماذا عن ناحية بعض أتباع عيسى عليه السلام ؟ إن صبيا يتكلم في المهد هو معجزة بكل المقاييس، فكيف تخلو كتبهم من قول عيسى في المهد : " إني عبد الله "، وكان لا بد أن تكون الكلمة مدروسة بعناية، وألا تنسى. وحفظ جنود الله سبحانه وتعالى الكلمة، التي تؤكد بشرية عيسى عليه السلام.
وعندما نقول هذا الكلام فليس الهدف منه تصحيح عقائد أحد ولكننا فقط، نريد أن يتضح منطق الإيمان في عقول المسلمين، أما أبناء الديانات الأخرى فهم أحرار فيما يعتقدون، والمهم بالنسبة لنا أن يكون ديننا وقرآننا متضحا أمام أعيننا، ولا يجرؤ أحد أن يميل به.
" وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما " ونحن كمسلمين نستنكف أن نقول ما قالوه من بهتان على مريم البتول، والبهتان هو الكذب الشرس فهناك لون من الكذب قد يكون مقبولا ولون من الكذب غير مقبول : فأن يقول قائل عن رجل ورع : إنه شرب الخمر، والقائل يعلم أنه كاذب فهذا كذب ثقيل شرس يتحير ويتعجب من يسمعه، وهذا هو البهتان ولم يستح ويمتنع اليهود حينما رموا مريم الطاهرة بأمر الله بالبهتان مع أنهم علموا أن لمريم سابقة خير واستقامة.
لقد كان ماضي مريم ناصعا، عاشت في المحراب متبتلة لمن خلقها لذلك يصف الحق هذا البهتان بأنه عظيم، لأنه جرح مريم في عرضها ولو رجعوا إلى تاريخهم قبل ميلاد عيسى من مريم لوجدوا أن كل واحدة من بنات بني إسرائيل كانت تستشرف أن يكون النبي المولود بعد موسى من بطنها وكانوا يعرفون أن النبي القادم من بعد موسى ستلده عذراء، وأبلغ بنو إسرائيل بناتهم بكيفية مجيء النبي القادم عيسى ابن مريم تماما مثل قضية البشارة برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم :
فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ( من الآية٨٩سورة البقرة ).
ومن رحمة الله بمريم نفسها أن الله جعل لها التمهيدات التي تثبت لها أمام نفسها أنها بريئة، وأن العملية كلها قد تمت ب( كن ) من الله، لم يجعل الله المسألة سرا عن مريم فتحمل بأمر قوله : " كن " دون أن تدري، لا بل أراد سبحانه أن تكون عملية مادية وجاء الملك لمريم ونفخ فيها بالحمل وعرفت هي السبب ماديا بالملك والنفخ حتى لا تتهم نفسها أو تشك بأن شيئا قد حدث لها وهي نائمة أو غير ذلك.
لقد أراد الله المسألة على تلك الصورة ليجعلها أمرا يقطع الشك لديها، وهي التي بشرت به إيناسا لها، عندما كانت صغيرة قبل البلوغ وجاءها زكريا وهو الكفيل لها والذي يأتيها بالطعام ودخل عليها المحراب فوجد عندها الرزق وسألها :
( أنى لك هذا )أجابت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ( من الآية٣٧سورة آل عمران ).
لقد نطقت مريم البتول من قبل : " إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " ومن الحساب أن يكون للمرأة زوج لترزق بالولد، ولكن الله يرزق من يشاء بغير حساب، ومن العجيب أنها في هذا القول نبهت زكريا إلى قضية كانت في بؤرة شعوره، ولذلك يقول الحق :
هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء( ٣٨ )فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين( ٣٩ )، قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء( ٤٠ ) ( سورة آل عمران ).
إذن فقد شجعت مريم زكريا على أن يدعو ربه، وتلك سلسلة تمهيدية ليطمئن إحساس مريم أن ولادتها لعيسى عليه السلام إنما جاءت ب " كن " وجاء لها الحق بفاكهة الصيف في الشتاء، وعندما قالت لسيدنا زكريا : " إن الله يرزق من يشاء بغير حساب " تنبه ودخل من هذا الباب، فدعا ربه على الرغم من علمه أن امرأته عاقر وأنه بلغ من الكبر عتيا، ومفهوم لنا معنى قول الرجل عن نفسه إنه بلغ من الكبر عتيا، أي أنه لم يعد يملك القدرة على
تفسير الشعراوي
الشعراوي