ﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍ

و رسلاً مبشرين : منصوب على البدل، أو على المدح، أو بإضمار أرسلنا، أو على الحال الموطئة لما بعده، كقولك : مررت بزيد رجلاً صالحًا.
ثم ذكر حكمة إرسال الرسل فقال : أرسلنا رسُلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد بعث الرسل فيقولون : لولا أرسلت إلينا رسولاً ينبهنا ويعلمنا ما جهلنا من أمر توحيدك والقيام بعبوديتك، فقطع عذر العباد ببعث الرسل، وقامت الحجة عليهم، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام :" مَا أحدٌ أغيرَ مِنَ الله، ولذلكَ حرَّم الفواحِشَ ما ظَهَرَ مِنهَا وما بَطَنَ، وما أحدٌ أحبَّ إليهِ المدحُ من الله، ولذلكَ مدَحَ نفسَهُ، وما أحَدٌ أحبَّ إليهِ العذرُ مِنَ الله تعالى، ولذلِكَ أرسَلَ الرَّسلِ وأنزَلَ الكُتبَ ".
وكان الله عزيزًا لا يغلب، فلا يجب عليه شيء، حكيمًا فيما دبر من النبوة، وخص كل نبي بنوع من الوحي والإعجاز على ما يليق به في زمانه. والله تعالى أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : علماءُ هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، العارفون منهم كالرسل منهم، قال ابن الفارض رضي الله عنه :
فَعَالِمُنَا منهم نبي، ومَن دَعَا *** إلى الحقِّ منّا قَامَ بالرسُلِيّه
وعارِفنا في وقتِنا الأحمَديُّ من *** أولي العزمِ منهم آخِذٌ بالعَزِيمَه
فإنهم يشاركونهم في وحي الإلهام، ويحصل لهم المكالمة مع المشاهدة، فيسمعون من الحق كما ينطقون به. كما قال الششتري :
أنَا باللهِ أنطقُ *** ومِنَ الله أسمَع
فتارة يسمعون كلامه بالوسائط، وتارة من غير الوسائط، يعرف هذا أهل الفن من أهل الذوق، وشأن من لم يَبلُغ مقامهم : التسليم.
إن لم تَرَ الهِلاَلَ فَسَلَّم *** لأُناسٍ رَأوه بالأبصَارِ
وفي الورتجبي : وإن الله تعالى إذا أراد أن يُسمع كلامه أحدًا من الأنبياء والأولياء يعطيه سمعًا من أسماعه، فيسمع به كلامه، كما حكى ـ عليه الصلاة والسلام ـ عنه ـ تعالى ـ، قال :" فإذا أحببته كنت معه... "، الحديث. أسمعه كلامه، وليس هناك الحروف والأصوات، بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية، الذي هو منزه عن همهمة الأنفاس وخطرات الوسواس، وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء، حتى هناك السامع والمسمع واحد من حيث المحبة، لا من حيث الجمع والتفرقة. انتهى كلامه.
واعلم أن أهل الجمع لا يشهدون إلا متكلمًا واحدًا، قد انتفى من نظرهم التعدد والاثنينية، غير أنهم يفرقون بين كلام القدرة وكلام الحكمة، كلام القدرة يبرز من غير اختبار، بل يكون المتكلم به مأخوذًا عنه، غائبًا عن اختياره، وكلام الحكمة معه ضرب من الاختبار، وقد يسمعون كلام القدرة من الهواتف الغيبية، ومن الجمادات على وجه الكرامة، وكله بحرف وصوت. نعم ما يقع من الهواتف القلبية والتجليات الباطنية، قد يكون بلا حرف ولا صوت، وقد تحصل لهم المكالمة بالإشارة بلا صوت ولا حرف، فقوله :( بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية... ) الخ. إن أراد به التجليات الباطنية فمسلَّم، لكن ظاهره أن كلام الحق الذي يُسمعه لأنبيائه وأوليائه محصور في ذلك، وأنه لا يكون إلا بلا حرف ولا صوت. وليس كذلك.
وقوله :( وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء ) الخ، معناه : لم يبق في ولاية أهل مشاهدة الأزل من رسوم الحوادث شيء. قلت : لكنهم يثبتونها حكمةً، ويمحونها قدرةً ومشاهدة، ولا يلزم من محوها عدم صدور الكلام منها بالحرف والصوت ؛ فإن البشرية لا تطيق سماع كلام الحق بلا واسطة الحكمة، كما هو معلوم. والله تعالى أعلم.



الإشارة : علماءُ هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، العارفون منهم كالرسل منهم، قال ابن الفارض رضي الله عنه :
فَعَالِمُنَا منهم نبي، ومَن دَعَا *** إلى الحقِّ منّا قَامَ بالرسُلِيّه
وعارِفنا في وقتِنا الأحمَديُّ من *** أولي العزمِ منهم آخِذٌ بالعَزِيمَه
فإنهم يشاركونهم في وحي الإلهام، ويحصل لهم المكالمة مع المشاهدة، فيسمعون من الحق كما ينطقون به. كما قال الششتري :
أنَا باللهِ أنطقُ *** ومِنَ الله أسمَع
فتارة يسمعون كلامه بالوسائط، وتارة من غير الوسائط، يعرف هذا أهل الفن من أهل الذوق، وشأن من لم يَبلُغ مقامهم : التسليم.
إن لم تَرَ الهِلاَلَ فَسَلَّم *** لأُناسٍ رَأوه بالأبصَارِ
وفي الورتجبي : وإن الله تعالى إذا أراد أن يُسمع كلامه أحدًا من الأنبياء والأولياء يعطيه سمعًا من أسماعه، فيسمع به كلامه، كما حكى ـ عليه الصلاة والسلام ـ عنه ـ تعالى ـ، قال :" فإذا أحببته كنت معه... "، الحديث. أسمعه كلامه، وليس هناك الحروف والأصوات، بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية، الذي هو منزه عن همهمة الأنفاس وخطرات الوسواس، وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء، حتى هناك السامع والمسمع واحد من حيث المحبة، لا من حيث الجمع والتفرقة. انتهى كلامه.
واعلم أن أهل الجمع لا يشهدون إلا متكلمًا واحدًا، قد انتفى من نظرهم التعدد والاثنينية، غير أنهم يفرقون بين كلام القدرة وكلام الحكمة، كلام القدرة يبرز من غير اختبار، بل يكون المتكلم به مأخوذًا عنه، غائبًا عن اختياره، وكلام الحكمة معه ضرب من الاختبار، وقد يسمعون كلام القدرة من الهواتف الغيبية، ومن الجمادات على وجه الكرامة، وكله بحرف وصوت. نعم ما يقع من الهواتف القلبية والتجليات الباطنية، قد يكون بلا حرف ولا صوت، وقد تحصل لهم المكالمة بالإشارة بلا صوت ولا حرف، فقوله :( بل أسمعه بحرف القدرة وصوت الأزلية... ) الخ. إن أراد به التجليات الباطنية فمسلَّم، لكن ظاهره أن كلام الحق الذي يُسمعه لأنبيائه وأوليائه محصور في ذلك، وأنه لا يكون إلا بلا حرف ولا صوت. وليس كذلك.
وقوله :( وليس في ولاية الأزل من رسوم أهل الآجال شيء ) الخ، معناه : لم يبق في ولاية أهل مشاهدة الأزل من رسوم الحوادث شيء. قلت : لكنهم يثبتونها حكمةً، ويمحونها قدرةً ومشاهدة، ولا يلزم من محوها عدم صدور الكلام منها بالحرف والصوت ؛ فإن البشرية لا تطيق سماع كلام الحق بلا واسطة الحكمة، كما هو معلوم. والله تعالى أعلم.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير