ويقول الحق بعد ذلك :
( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ١٧٣ ) :
لماذا لم يأت الله بشرط الآية الثاني الذي يتحدث عن المستنكفين والمستكبرين مقدما على شطر الآية الأول ؟ ولماذا لم يواصل الحديث عن الذين استنكفوا واستكبروا ليستكمل ما جاء بشأنهم في الآية السابقة ويبين كيف أن مصيرهم إلى العذاب حيث لا يجدون من دون الله وليا ولا نصيرا ثم بعد ذلك يحدثنا عن الذين آمنون وعملوا الصالحات ؟.
ذلك أن الحق ساعة يتكلم عن جماعة خرجت عن المنهج فهو لا يمنحهم ثواب هؤلاء الذين لم يخرجوا عن المنهج فيأتي أولا بثواب الطائعين ليستشرف إليه الخارجون عن طاعة الله، ثم يحرمهم من هذا الثواب لتكون حسرة الخارجين عن المنهج أشد " والضد يظهر حسنه الضد ".
لقد قال الحق : " فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله " ونعلم أن الأجر على العمل لماذا الفضل إذن ؟ لقد عرفنا من قبل أن العمل جاء فيه حديث شريف.
( لن يدخل أحدا عمله الجنة، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمته، فسددوا وقاربوا ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب ). (١)
والحق قد قال :
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ( من الآية٥٨سورة يونس )
وفطن الناس إلى ذلك فقالوا :" اللهم بالفضل لا بالعدل "، لأن الفضل هو الذي يعطينا المنازل المتميزة وقد يضيعنا العدل.
ويقول الحق مرة أخرى عن هؤلاء الذين استنكفوا واستكبروا : " وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا " أي أنهم لن يجدوا من يشفع لهم عند الله ولا من ينصرهم ولا أحد بقادر أن يرد عنهم العذاب.
.
تفسير الشعراوي
الشعراوي