وكيف تأخذونه استفهام الإنكار عن الاسترداد بعد التقرر ووجوب الأداء والحال أنه وقد أفضى بعضكم إلى بعض يعني أفضتم إليهن، قال الشافعي يعني دخلتم بهن فإن الإفضاء عنده كناية عن الجماع، ومن ثم قال الشافعي في أظهر قوليه : لا يتقرر المهر بالخلوة بدون الوطء فإن طلقها قبل الوطء بعد الخلوة الصحيحة التي لا مانع فيها من الوطء طبعا ولا شرعا يجب نصف المهر عنده، وقالوا أبو حنيفة وأحمد : يستقر المهر بالخلوة الصحيحة وإن لم يطأ. ومعنى الإفضاء الدخول في الفضاء والفضاء في اللغة الصحراء والمرء هاهنا المكان الخالي، وقال مالك : إن خلا بها أو طالت مدة الخلوة استقر المهر وإن لم يطأ، وحد ابن القاسم الخلوة بالعام. واحتج الشافعي على وجوب نصف المهر بعد الخلوة قبل الوطء بقوله تعالى : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ١ قلنا : المجاز في قوله : من قبل أن تمسوهن متحتم لأن المس ليس حقيقة بمعنى الجماع فالقول بأنه في معنى الجماع تسمية الأخص باسم الأعم ليس أولى من القول بأنه مجاز عن الخلوة لأن الخلوة سبب للمس والمس غاية لها فهو من تسمية السبب باسم المسبب. ولنا : اتفاق الصدر الأول على وجوب كمال المهر بالخلوة سواء وطئ بها أو لا كذا نقل الشيخ أبو بكر الرازي في أحكامه، وحكى الطحاوي فيه إجماع الصحابة، وقال ابن المنذر هو قول عمر وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وجابر ومعاذ بن جبل وأبي هريرة، روى البيهقي عن الأحنف عن عمر وعلي أنهما قالا إذا أغلق بابا وأرخى سترا فلها الصداق كاملا وعليها العدة وفيه انقطاع، وفي الموطأ عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيّب أن عمر قال : إذا أرخت الستور فقد وجب الصداق، وروى عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة قال : قال عمر نحوه، وروى الدراقطني عن علي : إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب عليه الصداق، وروى أبو عبيد في كتاب النكاح من رواية زرارة بن أبي أوفى قال : قضى الخلفاء الراشدون المهديون إذا أغلق الباب وأرخى الستر فقد وجب الصداق والعدة، وروى الدارقطني في الباب حديثا مرفوعا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كشف خمار امرأة ونظر إليها فقد وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل " وفي إسناده ابن لهيعة ضعيف لكن قال ابن الجوزي ابن لهيعة قد روى عنه العلماء، وأخرجه أبو داود في المراسيل عن ابن ثوبان ورجاله ثقات والمرسل عندنا حجة وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس كمذهب الشافعي لكن لم يصح، روى البيهقي عن الشعبي عن ابن مسعود فيمن خلا بامرأة ولم يحصل وطء لها نصف الصداق وهو منقطع، وروى الشافعي عن ابن عباس مثله وفي إسناده ضعف، وأخرجه ابن أبي شيبة عنه من وجه آخر وكذا البيهقي وأخذن منكم ميثاقا غليظا عهدا وثيقا، عطف على أفضى، قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة : هو قول الولي عند العقد زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقال الشعبي وعكرمة : هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى " ٢ رواه مسلم من حديث جابر، وروى ابن جرير من حديث ابن عمر نحوه، يعني أوثق الله عليكم لهن فكأنهن أخذن الميثاق.
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (١٢١٨)..
التفسير المظهري
المظهري