ويأتي الحق من بعد ذلك بمزيد من الاستنكار فيقول :" وكيف تأخذونه ". إنه استنكار لعملية أخذ شيء من المهر بحيثية الحكم فيقول :
وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ٢١ .
فلو أدركتم كل الكيفيات فلن تجدوا كيفية تبرز لكم الأخذ، لماذا ؟ لأن الحق قال :" وكيف تأخذونه " وانظر للتعليل :" وقد أفضى بعضكم إلى بعض ". إذن فثمن البضع هو الإفضاء، وكلمة " أفضى بعضكم إلى بعض " كلمة من اله ؛ لذلك تأخذ كل المعاني التي بين الرجل والمرأة، " و " أفضى " مأخوذة من " الفضاء " والفضاء هو المكان الواسع، و " أفضى بعضكم " يعني دخلتم مع بعض دخولا غير مضيق.
إذن فالإفضاء معناه : أنكم دخلتم معا أوسع مداخلة، وحسبك من قمة المداخلة أن عورتها التي تسترها عن أبيها وعن أخيها وحتى عن أمها وأختها تبينها لك، ولا يوجد إفضاء أكثر من هذا، ودخلت معها في الاتصال الواسع، أنفاسك، ملامستك، مباشرتك، معاشرتك، مدخلك، مخرجك، في حمامك، في المطبخ، في كل شيء حدثت إفضاءات، وأنت ما دمت قد أفضيت لها وهي قد أفضت لك كما قال الحق أيضا في المداخلة الشاملة :
هن لباس لكم أنتم لباس لهن ( من الآية ١٨٧ سورة البقرة ).
أي شيء تريد أكثر من هذا ! ؟ ولذلك عندما تشتد امرأة على زوجها، قد يغضب، ونقول له : يكفيك أن الله أحل لك منها ما حرمه على غيرك، وأعطتك عرضها، فحين تشتد عليك لا تغضب، وتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " ١.
" وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا " والميثاق هو : العهد يؤخذ بين اثنين، ساعة سألت وليها :" زوجني " فقال لك : زوجتك، ومفهوم أن كلمة الزواج هذه ستعطي أسرة جديدة، وكل ميثاق بين خلق وخلق في غير العرض هو ميثاق عادي، إلا الميثاق بين الرجل والمرأة التي يتزوجها ؛ فهذا هو الميثاق الغليظ، أي غير اللين، والله لم يصف به إلا ميثاق النبيين فوصفه بأنه غليظ٢، ووصف هذا الميثاق بأنه غليظ. ففي هذه الآية " أفضى بعضكم إلى بعض " فهنا إفضاء وفي آية أخرى يكون كل من الزوجين لباسا وسترا للآخر " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن " لهذا كان الميثاق غليظا، وهذا الميثاق الغليظ يحتم عليك إن تعثرت العشرة أن تتحملها وتعاملها بالمعروف، وإن تعذرت وليس هناك فائدة من استدامتها فيصح أن تستبدلها، فإن كنت قد أعطيتها قنطارا إياك أن تأخذ منه شيئا، لماذا ؟ لأن ذلك هو ثمن الإفضاء، ومادام هذا القنطار هو ثمن الإفضاء وقد تم، فلا تأخذ منه شيئا، فالإفضاء ليس شائعا في الزمن كي توزعه، لا.
والحق يقول :" وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا " هنا يجب أن نفهم أن الحق حين يشرع الحقوق، ولكنه لا يمنع الفضل، بدليل أنه قال :
فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ( من الآية ٤ سورة النساء ).
إذن ففيه فرق بين الحق وما طاب لكم، والأثر يحكى عن القاضي الذي قال لقومه : أنتم اخترتموني لأحكم في النزاع القائم بينكم فماذا تريدون مني ؟ ! أأحكم بالعدل أم بما هو خير من العدل ؟ فقالوا له : وهل يوجد خير من العدل ؟ قال : نعم، الفضل. فالعدل : أن كل واحد يأخذ حقه، والفضل : أن تتنازل عن حقك وهو يتنازل عن حقه، وتنتهي المسألة، إذن فالفضل أحسن من العدل، والحق سبحانه وتعالى حين يشرع الحقوق يضع الضمانات، ولكنه لا يمنع الفضل بين الناس :
فيقول جل شأنه :
ولا تنسوا الفضل بينكم ( من الآية ٢٣٧ سورة البقرة ).
ويقول الحق في آية الدين :
ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا ( من الآية ٢٨٢ سورة البقرة ).
ويأمركم الحق أن توثقوا الدين.. لأنكم لا تحمون مال الدائن فحسب بل تحمون المدين نفسه، لأنه حين يعلم أن الدين موثق عليه ومكتوب عليه فلن ينكره، لكن لو لم يكن مكتوبا فقد تحدثه نفسه أن ينكره، إذن فالحق يحمي الدائن والمدين من نفسه قال :" ولا تسأموا أن تكتبوه "، وقال بعدها :
فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ( من الآية ٢٨٣ سورة البقرة ).
فقد تقول لمن يستدين منك : لا داعي لكتابة إيصال وصك بيني وبينك، وهذه أريحية لا يمنعها الله فمادام قد أمن بعضكم بعضا فليستح كل منكم وليؤد الذي اؤتمن امانته وليتق الله ربه.
ومادام قد جعل للفضل مجالا مع تسجيل الحقوق فلا تنسوا ذلك. فما بالنا بالميثاق الغليظ بين الرجل والمرأة.. وغلظ الميثاق إنما يتأتى بما يتطلبه الميثاق، ولا يوجد ميثاق أغلظ مما أخذه الله من النبيين ومما بين الرجل والمرأة ؛ لأنه تعرض لمسألة لا تباح من الزوجة لغير زوجها، ولا من الزوج لغير زوجته. إن على الرجل أن يوفي حق المرأة ولا يصح أن ينقصها شيئا إلا إذا تنازلت هي. فقد سبق أن قال الحق :
فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ( من الآية ٤ سورة النساء ).
وما دامت النفس قد طابت، إذن فالرضا بين الطرفين موجود، وذلك استطراق أنسي بين الرجل والمرأة. فالمهر حقها، ولكن لا يجب أن يقبض بالفعل، فهو في ذمة الزوج، إن شاء أعطاه كله أو أخره كله أو أعطى بعضه وأخر بعضه. ولكن حين تنفصل الزوجة بعد الدخول يكون لها الحق كاملا في مهرها، إن كان قد أخره كله فالواجب أن تأخذه، أو تأخذ الباقي لها إن كان قد دفع جزءا منه كمقدم صداق.
ولكن حين تنتقل ملكية المهر إلى الزوجة يفتح الله باب الرضا والتراضي بين الرجل والمرأة فقال :" فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " فهو هبة تخرج عن تراض. وذلك مما يؤكد دوام العشرة والألفة والمودة والرحمة بين الزوجين. وبعد ذلك يبقى حكم آخر. هب أن الخلاف استعر بين الرجل والمرأة.
حالة تكره هي وتحب أن تخرج منه لا جناح أن تفتدى منه نفسها ببعض المال لأنها كارهة، ومادامت هي كارهة، فسيضطر هو إلى أن يبني بزوجة جديدة، إذن فلا مانع أن تختلع المرأة منه بشيء تعطيه للزوج :
فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ( من الآية ٢٢٩ سورة البقرة ).
والحق سبحانه وتعالى أراد أن يعطينا الدليل على أن حق المرأة يجب أن يحفظ لها، ولذلك جاء بأسلوب تناول مسألة أخذ الزوج لبعض مهر الزوجة في أسلوب التعجب :
وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ٢١ ( من الآية ٢١ سورة النساء ).
فكأن " وكيف تأخذونه " هذه دليل على أنه لا يوجد وجه من وجوه الحق يبيح لك أن تأخذ منها مهرها، فساعة يستفهم فيقول :" كيف " فهذا تعجيب من أن تحدث هذه، وقلنا : إن كل المواثيق بين اثنين لا تعطي حقوقا دون العرض، ولكن ميثاق الزواج يعطي حقوقا في العرض، ومن هنا جاء غلظ الميثاق، وكل عهد وميثاق بين اثنين قد ينصب إلى المال، وقد ينصب إلى الخدمة، وقد ينصب إلى أن تعقل عنه الدية، وقد ينصب إلى أنك تعطيه مثلا المعونة، هذه ألوان من المواثيق إلا مسألة العرض، فمسألة العرض عهد خاص بين الزوجين، ومن هنا جاء الميثاق الغليظ.
٢ الآية رقم ٧ من سورة الأحزاب..
تفسير الشعراوي
الشعراوي