يريد الله أن يخفف عنكم يريد الله تعالى بهذه الأحكام التي ليست فيها شدة تنوء القوى الإنسانية، وليس فيها حرمان من الطبائع البشرية، كما انها لا تفتح باب الشهوات والعبث والمجون، يريد سبحانه ان يخفف عنكم، فلا يكون فيكم الحرمان من متع الحياة، ولا يكون فيكم الانطلاق الذي يحل جماعتكم، ويسلط عليكم الأهواء والشهوات، فترديكم، وتذهب ريحكم، فشرع الله تعالى إباحة الطيبات، ومن حرمها فقد خالف أمر ربه إذ قال سبحانه : لا تحرموا طيبات ما احل الله لكم... ٨٧ [ المائدة ] وقال تعالى : قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق... ٣٢ [ الأعراف ] وقال صلى الله عليه وسلم :"كلوا واشربوا والبسوا من غير سرف ولا مخيلة"١، وليس في الإسلام رهبانية، ولا انقطاع عن النساء، ولكن ليس فيه إباحة مطلقة، وكان ذلك التخفيف في التكليف ليسهل على الإنسان الاحتمال، وقد قال تعالى :
وخلق الإنسان ضعيفا أي خلق الله تعالى الإنسان والضعف ملازم له، وليس الضعف المذكور هو الضعف البدني فقط، بل يشمل الضعف النفسي، فالتكليفات يلاحظ فيها ذلك الضعف، ولذلك كانت كل التكليفات يسهل تعويد النفس عليها، ولا يصعب احتمالها والمداومة عليها، وقد حث الإسلام على السهل من الأعمال التي تمكن المداومة عليها، ولذا قال عليه الصلاة والسلام :"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"٢، ولضعف الإنسان أبيح له من الشهوات ما لا يجعله عبدا لشهوته، بل يكون سيدا عليها، وإن أبرز مظاهر الضعف الإنساني يكون اما النساء، ولذا أبيح له مثنى وثلاث ورباع، من غير بغي ولا ظلم. ، ولقد قال سعيد بن المسيب : ما أيس الشيطان من بني آدم قط إلا آتاهم من قبل النساء، فقد اتى علي ثمانون سنة، وذهبت إحدى عيني، وأنا أعشو بالأخرى، وإن اخوف ما اخاف على فتنة النساء٣ ! وقانا الله تعالى شر ضعف نفوسنا، وقوى عزائمنا وهدانا إلى الحق، والله سبحانه وتعالى يتولانا برحمته.
٢ عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"سددوا وقاربوا واعلموا ان لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وان احب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". رواه البخاري: الرقاق – القصد والمداومة على العمل (٦٤٦٤)..
٣ عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء"[رواه البخاري: النكاح – ما يتقى من شؤم المراة (٥٠٦٩)، ومسلم: الذكر والدعاء – أكثر اهل الجنة الفقراء(٢٧٤٠)]..
زهرة التفاسير
أبو زهرة