ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

فهو أسهل ممن تركه للضلال، وكذا ما بعده، وكأنه قال:
إنهم أرادوا أن يجوروا جورًا عظيمًا، ليكونوا أبعد من الرشاد.
والإِشارة بالمعنى إلى نحو قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)، وعلى ذلك قوله: (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ)
فإن قيل: فهلا خصَّ الميل ليزيل الإِشكال، إذ الميل تارة إلى الحق
وتارة إلى الباطل؟
قيل: لما كانت العدالة وسطا وكان أطرافها كلها جوزا.
ولذلك سميت وسطا، وسواء، وعدلاً، وصراطًا مستقيمًا.
نبّه بإطلاق لفظ الميل: أن الكفار يريدون منكم الميل
عن العدالة على أي وجه كان، إفراطا كان أو تفريطًا.
وكل ذلك ضلال، ولهذا وصَّى الله تعالى بقوله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ).
قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)

صفحة رقم 1198

قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ) في موضع الحال، كأنه قال:
والله يريد أن يتوب عليكم، مريدًا أن يخفف عنكم.
وفي الآية أقوال: الأول: قول من خصصها وحملها على ما تقدم.
وقال: عنى أنه أباح نكاح الأمة تخفيفا عنكم.
فالإِنسان ضعيف في تَحَيُّرهِ عن "إمساك نفسه عن مشتهاه.
الثاني: أنه خفف عنكم تكلف النظر، وأزال الحيرة فيما بين لكم
مما يجوز من النكاح.
الثالث: أنه قصد به ما قال - ﷺ -:
"جئتكم بالحنيفية السمحة".
وما ذكره في قوله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ).
والرابع: أنه تبين لكم مقصودكم وما دعيتم

صفحة رقم 1199

إليه من الثواب العظيم لتعرفوه، فيخف عليكم الصبر في تحريه.
فالإِنسان لا يمكنه الصبر فيما لا يعرف ثمرة الصبر فيه، ولهذا
قال: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا).
الخامس: يريد الله أن يخفف عنكم بما يحُمّلكم من التعب.
فإن كل تعب يفضي إلى راحة عظيمة، فذلك في الحقيقة راحة.
ولهذا قيل للرجل يتحمل تعبًا عظيمًا في عبادة: ألا تريح نفسك؟
فقال: راحتها أريد.
السادس: إنه لم يعن بالتخفيف ما يستخفه الطبع وتميل إليه
النفس، وإنما عنى ما يخف به تحمل ما يبلغنا إلى ثوابه، وعلى نحو
هذه الآية قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)
وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).
ووصف الإِنسان بأنه خلق ضعيفًا إنما هو باعتباره بالملأ الأعلى نحو:

صفحة رقم 1200

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية