ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧ

نمضي مع سورة النساء في هذا الجزء، الذي يتضمن معظم أهداف السورة وموضوعاتها، التي أجملنا الإشارة إليها في مطالعها في الجزء الرابع.
ونجد في هذا الجزء من الأهداف الأساسية للسورة والموضوعات الرئيسية عناصر كثيرة :
نجد في الدرس الأول بقية من تنظيم شؤون الأسرة ؛ وإقامتها على أساس ثابت من موحيات الفطرة ؛ وحمايتها من تأثير الملابسات العارضة في جو الحياة الزوجية ؛ وحمايتها كذلك وحماية المجتمع معها من انتشار الفاحشة، والاستهتار بالحرمات، ووهن الروابط العائلية.
كذلك نجد بقية من التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية. تتناول العلاقات المالية والتجارية، كما تتناول بعض أحكام الميراث، وحقوق الملكية للجنسين في المجتمع..
وهذه التنظيمات وتلك تستهدف - كما قلنا في مطالع السورة - نقل المجتمع المسلم من النظام الجاهلي إلى النظام الإسلامي للحياة ؛ ومحو الملامح الجاهلية المترسبة، وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة، والارتفاع بالجماعة المسلمة - التي التقطها المنهج الرباني من سفح الجاهلية - والمضي بها صعدا في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة.
ثم نجد في الدرس الثاني عودة إلى تقرير أصول التصور الإسلامي ؛ تبين حد الإيمان وشرط الإسلام.. ليقوم هذا التقرير المستأنف قاعدة لبعض تنظيمات أخرى للتكافل الاجتماعي في الجماعة. التكافل الذي يبدأ من أضيق الحدود في الأسرة، ثم يمتد ليشمل المحتاجين والضعاف في الجماعة كلها، ومع الأمر بالبذل والتكافل نجد تقبيح البخل بالمال، والاختيال بالثراء، وكتمان النعمة، والرياء في الإنفاق.
كما نجد في هذا الدرس جانبا من التربية النفسية بالعبادة التي بدأ بها، والتطهير لأدائها، واعتبار الخمر دنسا لا يتفق مع حال العبادة.. وذلك كخطوة في طريق تحريمها.. وفق المنهج التربوي الحكيم.
وفي الدرس الثالث نجد من موضوعات السورة الأساسية موقفا مع أهل الكتاب يتضمن كشفا لأهدافهم الخبيثة ونياتهم الماكرة بالجماعة المسلمة، وبيانا لطبيعة كيدهم ومكرهم، وتعجيبا من أمرهم، واعتبارهم عدوا للمسلمين. وتهديدهم بسوء المصير والعذاب الأليم.
أما الدرس الرابع فيستهدف بيان معنى الدين، وشرط الإيمان، وحد الإسلام. بيانا حاسما جازما. يكشف عن طبيعة النظام الإسلامي، ومنهج المسلمين في الطاعة والاتباع والتلقي من الله وحده، والتحاكم إلى منهج الله وحده، واتباع حكم رسوله وطاعته.. كما يكشف عن تكاليف المسلمين في الأرض في أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل، وإقامة منهج الله في حياة الناس - باعتبار هذا كله شرطا لتحقق الإيمان - مع التعجيب من أمر الذين يدعون الإيمان، ثم لا يحققون شرطه الأول من التحاكم إلى الله ورسوله، مع الرضى والتسليم المطلق.. والتوكيد بعد التوكيد على أنه لا إيمان - مهما ادعاه المدعون - إلا بتحقق هذا الشرط الواضح الصريح.
ومن ثم نجد في الدرس الخامس توجيه الجماعة المسلمة لحماية هذا المنهج الواضح بالقتال دونه، والتنديد بالمعوقين والمنافقين الذين يبطئون عن الجهاد. واستجاشة الضمائر المؤمنة، ببيان أهداف القتال، لاستنقاذ الضعاف من المؤمنين من دار الكفر إلى دار الإسلام، وتمتيعهم بالحياة في ظل ذلك المنهج الرفيع الكريم، وبيان حقيقة الأجل والقدر، لتطهير القلوب من الخوف والفزع.. وينتهي الدرس بأمر للنبي [ ص ] أن يمضي إلى الجهاد، ولو لم يجد إلا نفسه ! فلا مناص من المضي فيه للتمكين لهذا الدين، وللمنهج الإلهي القويم.
وبمناسبة القتال نجد في الدرس السادس بيانا للكثير من قواعد المعاملات الدولية، بين المعسكر الإسلامي وشتى المعسكرات المناوئة له، والمهادنة، والمعاهدة، فليس الأمر أمر قوة وبطش وغلب، ولكنه أمر مواجهة للواقع مع إقامة الحدود المنظمة للعلاقات الإنسانية، في المعسكرات المختلفة الاتجاه..
وفي الدرس السابع نجد الحديث عن الجهاد بالأموال والأنفس، في صدد التنديد بالقاعدين عن الهجرة في دار الكفر، حيث يفتنون عن دينهم، بينما دار الإسلام قائمة، وراية الدين فيها عزيزة كريمة.. وينتهي هذا الدرس أيضا بالتحضيض للمؤمنين على القتال، ومتابعة أعدائهم، وعدم الوهن في طلبهم، وبيان حقيقة موقف المؤمنين وموقف أعدائهم، واختلاف وجهتهم ومصائرهم وجزائهم.
وفي الدرس الثامن نستشرف تلك القمة السامقة في العدل الإسلامي، في قصة اليهودي الذي اتهم ظلما، وقامت الشهادات الملفقة ضده، فنزل القرآن من الملأ الأعلى يبرئ هذا اليهودي.. مع كل ما كانت تكيده يهود للإسلام والمسلمين. ولكن العدل الإسلامي الإلهي هو العدل الذي لا يتأثر بالمودة أو الشنأن. وهو القمة السامقة التي لم تبلغ إليها البشرية قط إلا في ظلال هذا المنهج الرفيع الفريد.
والدرس التاسع جولة مع الشرك والمشركين، وخرافات الشرك وآثاره في إنشاء الشعائر الضالة، والتصورات السخيفة ! مع تصحيح الأوهام والأماني الزائفة عن عدل الله. وتقرير الجزاء على أساس العمل لا الأماني والأوهام. وتوكيد أن الإسلام هو وحدة الدين، وهو ملة إبراهيم.
ويعود الدرس العاشر إلى النساء ؛ وحقوقهن - وبخاصة اليتامى منهن - وحقوق المستضعفين من الولدان - وهو الموضوع الذي بدأت به السورة - وإلى الإجراءات التي يعالج بها موقف النشوز والإعراض من جانب الزوج. مع بيان حدود العدل المطلوب في معاشرة الزوجات، والذي لا تستقيم العشرة بدونه، ويكون خيرا منها الفرقة، عندما يتعذر الإصلاح..
والتعقيب على هذه الأحكام المتعلقة بالأسرة، والعدل في المعاشرة يربط هذه الأحكام والتوجيهات بالله، وملكيته للسماوات والأرض ؛ وقدرته على الذهاب بالناس واستبدال غيرهم بهم - فيدل على ضخامة الأمر، وعلاقته بحقيقة الألوهية الهائلة.. ومن ثم يستجيش تقوى الله في الضمائر ؛ ويستطرد إلى دعوة الذين آمنوا إلى العدل المطلق في معاملاتهم كلها، وفي أحكامهم جميعها.. على طريقة القرآن في الاستطراد من القطاع الضيق الخاص، إلى المحيط الشامل العام.
ثم يجيء الدرس الأخير في هذا الجزء. وهو يكاد يكون مقصورا على التنديد بالنفاق والمنافقين ؛ ودعوة المؤمنين إلى الإيمان الجاد الواضح المستقيم ؛ وتحذيرهم من الولاء لغير الجماعة المسلمة وقيادتها الخاصة، ومن التهاون والتراخي في دينهم مجاملة أو مراعاة للعلاقات الاجتماعية أو المصلحية مع المنافقين وأعداء هذا الدين. فهذه سمة من سمات النفاق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار. والمنافقون هم الذين يتولون الكافرين.
ويختم الدرس، ويختم الجزء معه بتقرير حقيقة مؤثرة عن صفة الله سبحانه، وعلاقته بعباده، والحكمة في عقابه للمنحرفين والضالين. وهو - سبحانه - لا حاجة به إلى عقاب مخاليقه لو آمنوا وشكروا :( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ؟ وكان الله شاكرا عليما )..
وهو تعبير عجيب يوحي للقلب برحمة الله، واستغنائه - سبحانه - عن تعذيب الناس، لو استقاموا على منهجه، وشكروا فضله في هذا المنهج ومنته.. ولكنهم هم الذين يشترون العذاب لأنفسهم بالكفر والجحود، وما ينشئه الكفر والجحود من فساد في الأرض، وفساد في النفس، وفساد في الحياة.
وهكذا يضم الجزء جناحيه على هذا الحشد من الأهداف والموضوعات، وعلى هذا المدى من الأشواط والأبعاد.. فنكتفي في التقديم له بهذه الإشارات الخاطفة، ريثما نستعرض النصوص فيما يلي بتوفيق الله..
واللمسة الأخيرة في التعقيب تتولى بيان رحمة الله بضعف الإنسان، فيما يشرعه له من منهج وأحكام. والتخفيف عنه ممن يعلم ضعفه، ومراعاة اليسر فيما يشرع له، ونفي الحرج والمشقة والضرر والضرار.
( يريد الله أن يخفف عنكم، وخلق الإنسان ضعيفا )..
فأما في هذا المجال الذي تستهدفه الآيات السابقة، وما فيها من تشريعات وأحكام وتوجيهات، فإرادة التخفيف واضحة ؛ تتمثل في الاعتراف بدوافع الفطرة، وتنظيم الاستجابة لها وتصريف طاقتها في المجال الطيب المأمون المثمر، وفي الجو الطاهر النظيف الرفيع ؛ دون أن يكلف الله عباده عنتا في كبتها حتى المشقة والفتنة ؛ ودون أن يطلقهم كذلك ينحدرون في الاستجابة لها بغير حد ولا قيد.
وأما في المجال العام الذي يمثله المنهج الإلهي لحياة البشر كلها فإرادة التخفيف تبدو كذلك واضحة ؛ بمراعاة فطرة الإنسان، وطاقته، وحاجاته الحقيقية ؛ وإطلاق كل طاقاته البانية. ووضع السياج الذي يقيها التبدد وسوء الاستعمال !
وكثيرون يحسبون أن التقيد بمنهج الله - وبخاصة في علاقات الجنسين - شاق مجهد. والانطلاق مع الذين يتبعون الشهوات ميسر مريح ! وهذا وهم كبير... فإطلاق الشهوات من كل قيد ؛ وتحري اللذة - واللذة وحدها - في كل تصرف ؛ واقصاء " الواجب " الذي لا مكان له إذا كانت اللذة وحدها هي الحكم الأول والاخير ؛ وقصر الغاية من التقاء الجنسين في عالم الإنسان على ما يطلب من مثل هذا الالتقاء في عالم البهائم ؛ والتجرد في علاقات الجنسين من كل قيد أخلاقي، ومن كل التزام اجتماعي.. إن هذه كلها تبدو يسرا وراحة وانطلاقا. ولكنها في حقيقتها مشقة وجهد وثقلة. وعقابيلها في حياة المجتمع - بل في حياة كل فرد - عقابيل مؤذية مدمرة ماحقة..
والنظر إلى الواقع في حياة المجتمعات التي " تحررت ! " من قيود الدين والأخلاق والحياء في هذه العلاقة، يكفي لإلقاء الرعب في القلوب. لو كانت هنالك قلوب !
لقد كانت فوضى العلاقات الجنسية هي المعول الأول الذي حطم الحضارات القديمة. حطم الحضارة الإغريقية وحطم الحضارة الرومانية وحطم الحضارة الفارسية. وهذه الفوضى ذاتها هي التي اخذت تحطم الحضارة الغربية الراهنة ؛ وقد ظهرت آثار التحطيم شبه كاملة في انهيارات فرنسا التي سبقت في هذه الفوضى ؛ وبدأت هذه الآثار تظهر في أمريكا والسويد وانجلترا، وغيرها من دول الحضارة الحديثة.
وقد ظهرت آثار هذه الفوضى في فرنسا مبكرة، مما جعلها تركع على أقدامها في كل حرب خاضتها منذ سنة ١٨٧٠ إلى اليوم، وهي في طريقها إلى الانهيار التام، كما تدل جميع الشواهد. وهذه بعض الأمارات التي أخذت تبدو وأضحة من بعد الحرب العالمية الأولى :
" إن أول ما قد جر على الفرنسيين تمكن الشهوات منهم : اضمحلال قواهم الجسدية، وتدرجها إلى الضعف يوما فيوما. فإن الهياج الدائم قد أوهن أعصابهم ؛ وتعبد الشهوات يكاد يأتي على قوة صبرهم وجلدهم ؛ وطغيان الأمراض السرية قد أجحف بصحتهم. فمن أوائل القرن العشرين لا يزال حكام الجيش الفرنسي يخفضون من مستوى القوة والصحة البدنية المطلوب في المتطوعة للجند الفرنسي، على فترة كل بضع سنين. لأن عدد الشبان الوافين بالمستوى السابق من القوة والصحة لا يزال يقل ويندر في الأمة على مسير الأيام.. وهذا مقياس أمين، يدلنا كدلالة مقياس الحرارة - في الصحة والتدقيق - على كيفية اضمحلال القوى الجسدية في الأمة الفرنسية. ومن أهم عوامل هذا الاضمحلال : الأمراض السرية الفتاكة. يدل على ذلك أن كان عدد الجنود الذين اضطرت الحكومة إلى أن تعفيهم من العمل، وتبعث بهم إلى المستشفيات، في السنتين الأوليين من سني الحرب العالمية الأولى، لكونهم مصابين بمرض الزهري، خمسة وسبعين الفا. وابتلي بهذا المرض وحده ٢٤٢ جنديا في آن واحد في ثكنة متوسطة. وتصور - بالله - حال هذه الأمة البائسة في الوقت الذي كانت فيه - بجانب - في المضيق الحرج بين الحياة والموت، فكانت أحوج ما تكون إلى مجاهدة كل واحد من أبنائها المحاربين لسلامتها وبقائها. وكان كل فرنك من ثروتها مما يضن به ويوفر ؛ وكانت الحال تدعو إلى بذل أكثر ما يمكن من القوة والوقت وسائر الأدوات والوسائل في سبيل الدفاع. وكان - بجانب آخر - أبناؤها الشباب الذين تعطل آلاف منهم عن أعمال الدفاع، من جراء انغماسهم في اللذات ؛ وما كفى أمتهم ذلك خسرانا، بل ضيعوا جانبا من ثروة الأمة ووسائلها في علاجهم، في تلك الأوضاع الحرجة.
" يقول طبيب فرنسي نطاسي يدعى الدكتور ليريه : إنه يموت في فرنسا ثلاثون ألف نسمة بالزهري، وما يتبعه من الأمراض الكثيرة في كل سنة. وهذا المرض هو أفتك الأمراض بالأمة الفرنسية بعد حمى [ الدق ]. وهذه جريرة مرض واحد من الأمراض السرية التي فيها عدا هذا أمراض كثيرة أخرى ".
والأمة الفرنسية يتناقص تعدادها بشكل خطير : ذلك أن سهولة تلبية الميل الجنسي، وفوضى العلاقات الجنسية والتخلص من الأجنة والمواليد، لا تدع مجالا لتكوين الأسرة، ولا لاستقرارها ولا لاحتمال تبعة الأطفال الذين يولدون من الالتقاء الجنسي العابر. ومن ثم يقل الزواج، ويقل التناسل، وتتدحرج فرنسا منحدرة إلى الهاوية.
" سبعة أو ثمانية في الألف هو معدل الرجال والنساء الذين يتزوجون في فرنسا اليوم. ولك أن تقدر من هذا المعدل المنخفض كثرة النفوس التي لا تتزوج من أهاليها. ثم هذا النزر القليل من الذين يعقدون الزواج، قل فيهم من ينوون به التحصن والتزام المعيشة البرة الصالحة بل هم يقصدون به كل غرض سوى هذا الغرض. حتى إنه كثيرا ما يكون من مقاصد زواجهم أن يحللوا به الولد النغل الذي قد ولدته أمه قبل النكاح ! ويتخذوهولدا شرعيا ! فقد كتب " بول بيورو " : من العادة الجارية في طبقة العاملين في فرنسا أن المرأة منهم تأخذ من خدنها ميثاقا قبل أن يعقد بينهما النكاح، أن الرجل سيتخذ ولدها الذي ولدته قبل النكاح ولدا شرعيا له. وجاءت امرأة في محكمة الحقوق بمدينة سين فصرحت : إنني كنت قد آذنت بعلي عن النكاح بأني لا أقصد بالزواج إلا استحلال الأولاد الذين ولدتهم نتيجة اتصالي به قبل النكاح. وأما أن أعاشره وأعيش معه كزوجة، فما كان في نيتي عند ذاك، ولا هو في نيتي الآن. ولذلك اعتزلت زوجي في أصيل اليوم الذي تم فيه زواجنا، ولم ألتق به إلى هذا اليوم، لأني كنت لا أنوي قط أن أعاشره معاشرة زوجية.
" قال عميد كلية شهيرة في باريس لبول بيورد : إن عامة الشباب يريدون بعقد النكاح استخدام بغي في بيتهم أيضا. ذلك أنهم يظلون مدة عشر سنين أو أكثر يهيمون في أودية الفجور أحرارا طلقاء. ثم يأتي عليهم حين من دهرهم يملون تلك الحياة الشريدة المتقلقلة، فيتزوجون بامرأة بعينها، حتى يجمعوا بين هدوء البيت وسكينته، ولذة المخادنة الحرة خارج البيت ".
وهكذا تدهورت فرنسا. وهكذا هزمت في كل حرب خاضتها، وهكذا تتوارى عن مسرح الحضارة ثم عن مسرح الوجود يوما بعد يوم. حتى تحق سنة الله التي لا تتخلف ؛ وإن بدت بطيئة الدوران في بعض الأحيان ! بالقياس إلى تعجل الإنسان !
أما في الدول التي لا تزال تبدو فتية، أو لم تظهر فيها آثار الدمار واضحة بعد، فهذه نماذج مما يجري فيها :
يقول صحفي ممن زاروا السويد حديثا.. بعد أن يتحدث عن " حرية الحب " في السويد، وعن الرخاء المادي، والضمانات الاجتماعية في مجتمعها الاشتراكي النموذجي :
" إذا كانت أقصى أحلامنا أن نحقق للشعب هذا المستوى الاقتصادي الممتاز ؛ وأن نزيل الفوارق بين الطبقات بهذا الاتجاه الاشتراكي الناجح ؛ وأن نؤمن المواطن ضد كل ما يستطيع أي عقل أن يتصوره من أنواع العقبات في الحياة.. إذا وصلنا إلى هذا الحلم البهيج الذي نسعى بكل قوانا وإمكانياتنا إلى تحقيقه في مصر... فهل نرضى نتائجه الأخرى ؟ هل نقبل الجانب الأسود من هذا المجتمع المثالي ؟ هل نقبل " حرية الحب " وآثارها الخطيرة على كيان الأسرة ؟
" دعونا نتحدث بالأرقام.. "
" مع وجود كل هذه المشجعات على الاستقرار في الحياة، وتكوين أسرة، فإن الخط البياني لعدد سكان السويد يميل إلى الانقراض !.. مع وجود الدولة التي تكفل للفتاة إعانة زواج ؛ ثم تكفل لطفلها الحياة المجانية حتى يتخرج في الجامعة، فإن الأسرة السويدية في الطريق إلى عدم إنجاب أطفال على الإطلاق !
" يقابل هذا انخفاض مستمر في نسبة المتزوجين. وارتفاع مستمر في نسبة عدد المواليد غير الشرعبين. مع ملاحظة أن عشرين في المائة من البالغين الأولاد والبنات لا يتزوجون أبدًا.
" لقد بدأ عهد التصنيع. وبدأ معه المجتمع الاشتراكي في السويد عام ١٨٧٠. كانت نسبة الأمهات - غير المتزوجات - في ذلك العام ٧ في المائة، وارتفعت هذه النسبة في عام ١٩٢٠ إلى ١٦ في المائة. والاحصاءات بعد ذلك لم أعثر عليها. ولكنها ولا شك مستمرة في الزيادة.
" وقد أجرت المعاهد العلمية عدة استفسارات عن " الحب الحر " في السويد، فتبين منها أن الرجل تبدأعلاقاته الجنسية بدون زواج في سن الثامنة عشرة. والفتاة في سن الخامسة عشرة. وأن ٩٥ في المائة من الشبان في سن ٢١ سنة لهم علاقات جنسية !
" وإذا أردنا تفصيلات تقنع المطالبين بحرية الحب، فإننا نقول : إن ٧ في المائة من هذه العلاقات الجنسية مع خطيبات، و٣٥ في المائة منها مع حبيبات ! و٥٨ في المائة منها مع صديقات عابرات !
" وإذا سجلنا النسب عن علاقة المرأة الجنسية بالرجل قبل سن العشرين. وجدنا أن ٣ في المائة من هذه العلاقات مع أزواج. و ٢٧ في المائة منها مع خطيب ! و ٦٤ في المائة منها مع صديق عابر !
" وتقول الأبحاث العلمية : إن ٨٠ في المائة من نساء السويد مارسن علاقات جنسية كاملة قبل الزواج و٢٠ في المائة بقين بلا زواج !
" وأدت حرية الحب بطبيعة الحال إلى الزواج المتأخر، وإلى الخطبة الطويلة الأجل. مع زيادة عدد الأطفال غير الشرعيين كما قلت.
" والنتيجة الطبيعية بعد ذلك أن يزيد تفكك الأسرة.. إن أهل السويد يدافعون عن " حرية الحب " بقولهم : إن المجتمع السويدي ينظر نظرة احتقار إلى الخيانة بعد الزواج، كأي مجتمع متمدن آخر ! وهذا صحيح لا ننكره ! ولكنهم لا يستطيعون الدفاع عن الاتجاه إلى انقراض النسل. ثم الزيادة المروعة في نسبة الطلاق.
" إن نسبة الطلاق في السويد هي أكبر نسبة في العالم. إن طلاقًا واحدًا يحدث بين كل ست أو سبع زيجات، طبقًا للإحصاءات التي أعدتها وزارة الشؤون الاجتماعية بالسويد. والنسبة بدأت صغيرة، وهي مستمرة في الزيادة.. في عام ١٩٢٥ كان يحدث ٢٦ طلاقًا بين كل ١٠٠ ألف من السكان - ارتفع هذا الرقم إلى ١٠٤ في عام ١٩٥٢، ثم ارتفع إلى ١١٤ في عام ١٩٥٤.
" وسبب ذلك أن ٣٠ في المائة من الزيجات تتم اضطرارًا تحت ضغط الظروف، بعد أن تحمل الفتاة. والزواج بحكم " الضرورة " لا يدوم بطبيعة الحال كالزواج العادي. ويشجع على الطلاق أن القانون السويدي لا يضع أية عقبة أمام الطلاق إذا قرر الزوجان أنهما يريدان الطلاق. فالأمر سهل جدًا، وإذا طلب أحدهما الطلاق. فإن أي سبب بسيط يقدمه، يمكن أن يتم به الطلاق !
" وإذا كانت حرية الحب مكفولة في السويد.. فهناك حرية أخرى يتمتع بها غالبية أهل السويد.. إنها حرية عدم

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير