قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (١).
فيه مسألتان :
[ ٢٦ ] المسألة الأولى : في المراد بما معهم في قوله تعالى : مصدقا لما معكم .
قال الإمام ابن حزم :( هذا عموم قام البرهان على أنه مخصوص، وأنه تعالى إنما أراد : مصدقا لما معكم من الحق، لا يمكن غير هذا ؛ لأننا بالضرورة ندري أن معهم حقا وباطلا، ولا يجوز تصديق الباطل ألبتة، فصح أنه إنما أنزله تعالى مصدقا لما معهم من الحق. فإن الله تعالى أبقى في التوراة والإنجيل حقا ليكون حجة عليهم وزائدا في خزيهم، وبالله تعالى التوفيق )(٢).
[ ٢٧ ] المسألة الثانية : هل أمر الله محدث أو غير محدث ؟
يرى الإمام ابن حزم أن أمر الله تعالى محدث مخلوق.
قال – رحمه الله - :( قال الله عز وجل : والله غالب على أمره (٣)، وبلا شك في أن المغلوب عليه مخلوق، وأنه غير الغالب عليه.
وقال تعالى : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (٤)، وهذا بيان جلي لا إشكال فيه على أن الأمر محدث.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يحدث من أمره ما يشاء " (٥).
فصح بيقين أن أمر الله تعالى محدث مخلوق )(٦).
٢ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ١/٢٤٠.
٣ سورة يوسف، من الآية (٢١)..
٤ سورة الطلاق، من الآية (١)..
٥ أخرجه البخاري في صحيحه معلقا، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: كل يوم هو في شأن ١٣/٥٠٥، ووصله أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة ٣/١٣٦، حديث رقم (٩٢٠)، من طريق موسى بن إسماعيل، عن أبان عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود به، ووصله أيضا النسائي في سننه، كتاب السهو، باب الكلام في الصلاة ٣/١٤، حديث رقم (١٢٢١)، من طريق الحسين بن حريث عن سفيان عن عاصم به..
٦ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ٢/٨، الدرة فيما يجب اعتقاده ص ٢٧٩..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري