نعلم أن كل التشريعات التي جاءت من السماء لا يوجد فيها تضارب ؛ فالمشرع واحد. ولن يشرع اليوم شريعة ثم يأتي رسول آخر يشرع شريعة أخرى جديدة. فأصول الأديان كلها التي جاء بها ركب الرسالات واحدة، ولا تختلف إلا في بعض الأحكام التي تتطلبها ظروف العصور، وفي التشريع الواحد تتطور الأحكام وخصوصا ما يتعلق بالعادات. وما كان الله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده يأتي لمسألة من المسائل تعرض الناس فيها لعادة فتمكنت منهم تلك العادة، وأصبحت تقودهم ان يفعلوها ثم يأتي لينهيها بكلمة. لم تأت الكلمة الفصل إلا في العقيدة. لكن المسائل التي تحتاج إلى التعود فالحق يتلطف في أن يخرجها خروجا ميسورا، بمعنى أنه يجعلها مرحليات كي لا توجد فجوة الانتقال.
ويمكننا أن نشبه فجوة الانتقال : مثلما يكون هناك من يدخن السجائر، ويصل معدل تدخينه في اليوم مائة سيجارة، فإذا قلنا له : اجعله خمسين سيجارة، ثم ثلاثين، وهكذا، وبذلك نكون قد وزعنا عادته على بعض الزمن، وبدلا من أن تكون المسافة بين السيجارة والسيجارة عشر دقائق أو نصف ساعة فلنجعلها ساعة فنكون قد كسرنا جزءا من الاعتياد، وكذلك مرحليات الأمور الاجتماعية التي تنشأ من رتابة التعود.
إن الحق سبحانه وتعالى يقول : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم . فالحق يوضح : لم نأت بحاجة جديدة، بل كلها مما عندكم. قد يقول قائل : مادامت مما عندهم فما الداعي لها ؟. نقول : لأن هناك جديدا في أقضية العصر التي لم تكن موجودة عندهم، والذي زاد هو معالجة تلك الأقضية الجديدة، ولكن أصل الإيمان موجود بالقرآن المعجز الذي ينزل من السماء ؛ بالمعجزة، بالتوحيد، والقضايا العقدية، كل هذه لا يوجد فيها خلاف.
يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا ، وكلمة " أوتوا الكتاب " إلزام لهم بالحجة، وتعني : نحن لا نكلمكم بكلام لا تعرفونه ؛ لأنه يقول :" مصدقا لما معكم " إنهم يعلمون ما معهم جيدا، فكان من الواجب أن يقارنوا ويوازنوا ما جاء لهم من جديد على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عندهم، فإن وجدوه مصدقا لما عندهم فقد انتهت المسألة.
ثم انظر إلى التهديد من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وكان أمر الله مفعولا ، سبحانه يناديهم : بادروا، كما نقول مثلا :" الحق نفسك وآمن " ويقول الحق : من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها . والطمس هو : المحو. فالشيء الذي طمس هو الذي محي بعدما كان شيئا مميزا، وكلمة " وجوه " وردت في القرآن بمعان متعددة، فتطلق مرة في البدن على ما يواجه وهو " الوجه " كما في قوله :
يوم تبيض وجوه ( من الآية ١٠٦ سورة آل عمران ).
ونطلق الكلمة مرة على القصد والنية والوجهة، قال تعالى :
بلى من أسلم وجهه لله ( من الآية ١١٢ سورة البقرة ).
و " أسلم وجهه " تعني قصده ووجهته ونيته.
إذن فمرة يطلق الوجه على الوجه الذي به المواجهة، ومرة يطلق على القصد، وما العلاقة بين القصد، والنية، والوجه ؟. لأن الإنسان إذا قصد شيئا اتجه إليه بوجهه، وسار له. إذن فالوجه يطلق على الجارحة " الوجه "، ويطلق على القصد والنية. ومادام يطلق بإطلاقين فيطلق على الوجه المعروف فينا، ويطلق على القصد والنية التي توجهنا فالاثنان يصحان.
وقوله :" نطمس وجوها " لأنه سبحانه أوضح : أنا مكرمكم وجعلت لكم سمات تميزكم، بشكلها : حواجب، وعينين، وأنفا جميلا، وفما، بحيث إنك لو أردت أن تخلق هذه الخلقة، لما استطعت، وسبحانه يعلن : أنا أقدر أن أطمس هذه الوجوه التي تميزكم، بحيث أردها على الأدبار، فيكون الوجه مثل القفا، هذه الوجوه التي تميزكم، بحيث أردها على الأدبار، فيكون الوجه مثل القفا، وتصبح كقطعة اللحم، هذا إن أردنا بقوله :" وجوها "، الوجه الذي في البدن.
وإن أردنا بالوجه " القصد " نقول : الذين يشترون الضلالة، والذين يريدون أن تضلوا السبيل، والذين يحرفون الكلام عن مواضعه، والذين يقولون :" راعنا "، والذين يقولون :" اسمع غير مسمع :. أليس لهم وجهة ؟ وما وجهتهم في هذا الموقف وما قصدهم ؟.
إن قصدهم هو صرف أنفسهم وصرف الناس عن إتباع محمد، فكأنه يقول لهم : بادروا وآمنوا قبل أن نطمس ونمحو قصدكم فلا يصل إلى منتهاه من صدكم عن الإيمان برسول الله، الحقوا أنفسكم قبل أن يحدث ذلك ونلعنكم ونطردكم من رحمتنا، ولذلك نجد سيدنا عبد الله بن سلام عندما سمع الآية، ذهب إلى رسول الله ويده على وجهه وقال : والله لقد خفت قبل أن أسلم أن يطمس وجهي.
وهذا دليل على أنه آمن بأن الذي قال هذا الكلام قادر على الإنقاذ. وفي عهد سيدنا عمر رضي الله عنه نجد كعب الأحبار يذهب له، ولم تكن الآية قد بلغته، فلما بلغته ذهب إلى سيدنا عمر وهو واضع يده على وجهه خائفا أن يطمس وجهه قبل أن يعلن إسلامه. وذلك دليل على يقينه من أن الذي قال هذا الكلام قادر على الإنفاذ.
وقد يقول قائل : ولكن منهم أناس لم يؤمنوا ولم يحدث لهم هذا الطمس. نقول : أهو قال سنطمس الوجوه فقط ؟ لا، بل قال أيضا : أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ويكفي أن هناك أناسا اعتقدوا أن الطمس قد يجيء وهم من وجوه أهل الكتاب ومن أحبارهم، فالذين آمنوا برسول الله من هؤلاء كانوا يعلمون كيد اليهود، فسيدنا عبد الله بن سلام قبل أن يسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أحب أن أسلم، ولكني أخشى إن أسلمت أن يقول اليهود في شرا فقبل أن أسلم أسألهم عني، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبار اليهود : ماذا تقولون في عبد الله بن سلام ؟ قالوا : سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وحبرنا ومجدوه، فلما سمع ابن سلام منهم هذا الكلام قال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله فقالوا : هو ابن كذا وابن كذا وسبوه، فقال ابن سلام : يا رسول الله ألم أقل لك : إنهم قوم بهت(١).
فقد روى أن عبد الله بن سلام لما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فنظر إلى وجهه الكريم فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر، فقال له : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي : ما أول شرائط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه ؟ فقال عليه السلام :" أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإن سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته " فقال : أشهد أنك رسول الله حقا فقام ثم قال : يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت فإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : أي رجل عبد الله فيكم ؟ فقالوا : خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال : أرأيتم إن أسلم عبد الله ؟ قالوا أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا : شرنا وابن شرنا وانتقصوه، قال : هذا ما كنت أخاف يا رسول الله واحذر. قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض : إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل : قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله (٢).
ومن قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها فإن أردنا طمس الوجه حقيقة، فهو الأمر الذي خاف منه عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، هذا ذهب إلى رسول الله وذاك ذهب إلى عمر، وكل منهما كان يمسك وجهه خشية أن يطمس، إذن فقوله " نطمس وجوها " أي نجعلها مثل " القفا " مجرد قطعة لحم من غير تمييز، أو نحول بينهم وبين قصدهم أي لا نمكنهم من الوصول إلى ما يريدون من صدهم الناس عن الإيمان برسول الله.. من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم أو أن نطردهم من رحمتنا ومن ساحة إيماننا، فيقول الحق :
ختم الله على قلوبهم ( من الآية ٧ سورة البقرة ).
ماداموا هم قد كفروا نقول لكل منهم : ألم تكن تريد أن تكفر ؟ والله سيزيد لك الختم على قلبك وسنعينك على هذه الحكاية أيضا قال تعالى :
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ( من الآية ١٠ سورة البقرة ).
فإذا كنت أنت تريد هذه فسنعطيك ما في نفسك فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وسبحانه يخاطب اليهود، واليهود يعرفون قصة السبت ويعرفون أنها واقعة حدثت، وطردهم الله وأهلكهم ولعنهم وأعد لهم عذابا عظيما. إذن فهو لا يأتيهم بمسألة وعيد بدون رصيد، لا، فهذا وعيد يسبقه رصيد.. أنتم يا معشر يهود تؤمنون به وتذكرونه وله تاريخ عندكم، كما لعنا أصحاب السبت ، وقصة أصحاب السبت معروفة وإن كانت ستأتي في سورة أخرى، و " السبت " وهو السكون والراحة، ومنه السبات أي النوم، فسبت يسبت يعني سكن واستقر وارتاح.
أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ، واللعن قالوا فيه : إنه الطرد والإهانة، وقالوا في معناه : إنه الإهلاك. والذين يحاولون أن يشككوا في مفهومات آيات القرآن يقولون : أنتم لا تقفون عند معنى واحد للكلمة، إما أن يراد كذا، وإما أن يراد كذا. نقول لهم : أنتم ليست لكم ملكة في اللغة حتى وإن تعلمتم اللغة فتعلمكم للغة تعلم صنعة لا تعلم ملكة. وتعلم الصنعة يعطيك القاعدة ولكن لا يعطيك قدرة وضع اللفظ في معناه الحقيقي ولا بيان المراد منه واللعن إذا كان معناه الطرد كان يجب أن تفهموا أن الطرد يقتضي طاردا، ويقتضي مطرودا ويقتضي مطرودا منه.
ومن الذي يطرد ؟.
ومن الذي يطرد ؟.
وعن أي شيء يطرد ؟.
حين تأخذون المعنى على هذا الوضع لا تجدون غضاضة في أن تتعدد معاني الطرد. فهب أنك تجلس للأكل ثم جاءك كلبك الذي تعتز به للحراسة ليحوم حول مائدتك، ماذا تصنع له ؟. تطرده عن المائدة، ذلك طرد. وهب أن ابنك مثلا صنع شيئا وعندك ضيوف فأردت أن تخرجه من المجلس وقلت له : اذهب عند أمك، هذا طرد.
وإذا كان ذنب الابن كبيرا ولك سيطرة فأنت قد تخرجه من البيت فلا يجلس فيه، وهذا طرد. وإذا كان ذنب الابن لا يحتمل فأنت تخرجه من القرية، وهذا طرد. فإذا كان هناك إنسان قد أذنب ذنبا كبيرا وكنت صاحب قوة نافذة فأنت تخرجه من الحياة كلها فتكون قد أبعدته من الحياة كلها. إذن فكل ذلك طرد. فإن أردنا الخزي والهوان يتأتى اللعن، وإن أردنا الإهلاك فقد هلك منهم الكثير في المعارك ونالوا الخزي والهوان ؛ لأننا سبينا نساءهم وبناتهم، وقهرناهم، وأهلكناهم، وأخرجناهم من ديارهم إلى بلاد الشام وإلى أذرعات، وأهلكهم الله بالموت. إذن فكل معاني الطرد تتأتى. فقد جاء يمس كل الذي حدث لهم، ولكنه يختلف باختلاف الطارد، وباختلاف المطرود، وباختلاف المطرود منه.
وحين يقول الحق : كما لعنا أصحاب السبت فهذا يدل على أن اللعن له أشياء مختلفة، أنا سآخذ منها لعن أصحاب السبت، والسبت يوم من أيام الأسبوع، أي وحدة زمنية في الأسبوع، ونلحظ أن بقية أيام الأسبوع السبعة فيها إشارات إلى العدد، يوم الأحد يعني واحدا ويوم الإثنين تعني اثنين. وهكذا في الثلاثاء والأربعاء والخميس، ففيه خمسة أيام بأعدا
٢ قولهم بهت فلان فلانا. قذفه بالباطل وافترى عليه الكذب، واسم الفاعل بهوت والجمع بهت مثل: رسول ورسل.
رواه البخاري ومسلم والنسائي..
تفسير الشعراوي
الشعراوي