أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً ( النساء : ٤٧ ).
تفسير المفردات : الكتاب : التوراة الطمس : إزالة الأثر بمحوه أو إخفائه كما تطمس آثار الدار وأعلام الطرق أما بأن تنقل حجارتها وإما بأن تسفوها الرياح ومنه الطمس على الأموال قوله : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ( يونس : ٨٨ ) أي أزلها وأهلكها والطمس على الأعين في قوله : وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ ( يس : ٦٦ ) إما إزالة نورها وإما محو حدقتها والوجه تارة يراد به الوجه المعروف وتارة وجه النفس وهو ما تتوجه إليه من المقاصد كما قال تعالى : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ ( آل عمران : ٢٠ )و قال : وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ( لقمان : ٢٢ )و قال : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ( الروم : ٣٠ ) والأدبار واحدها دبر وهو الخلف والقفا والارتداد : هو الرجوع إلى الوراء إما في الحسيات وإما في المعاني ومن الأول الارتداد والفرار في القتال ومن الثاني قوله : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ( محمد : ٢٥ ) ونلعنهم : نهلكهم كما لعنا أصحاب السبت أي كما أهلكنا أصحاب السبت وقيل مسحهم الله وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن جرير عن الحسن.
المعنى الجملي : بعد أن نعى على أهل الكتاب في الآية السالفة اشتراءهم الضلالة بالهدى بتحريفهم بعض الكتاب وإضاعة بعض وإضاعة بعضه الآخر – ألزمهم هنا بالعمل بما عرفوا وحفظوا بأن يؤمنوا بالقرآن ذلك أن إيمانهم بالتوراة يستدعي الإيمان بما يصدقها وحذرهم من مخالفة ذلك وتوعدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور.
الإيضاح : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم أي أيها اليهود والنصارى آمنوا بالكتاب الذي جاء مصدقا لما معكم من تقرير التوحيد والابتعاد عن الشرك وما يقوى ذلك الإيمان من ترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتلك هي أصول الدين وأركانه والمقصد الأسمى من إرسال جميع الرسل ولا خلاف بينهم في ذلك وإنما الخلاف في التفاصيل وطرق حمل الناس عليها وهدايتهم بها وترقيتهم في معارج الفلاح بحسب السنن التي وضعها الله في ارتقاء البشر بتعاقب الأجيال واختلاف الأزمان
انظر إلى الحكومات المختلفة المتعاقبة تجد أن رائدها العدل ولكن الوسائل الموصلة إليه تختلف باختلاف الأمم والبيئة والزمان والمكان فتغيير الحاكم الجديد لبعض ما كان عليه من قبله ليس ببدع ولا مستنكرا إذا كان مقصده إقامة ميزان العدل فيما بين الناس وحينئذ يسمى مصدقا لما قبله ولا مكذبا ولا مخالفا.
و القرآن قرر نبوة داود وسليمان وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام فيما جاؤوا به ووبخ المدعين أتباعهم على إضاعتهم بعض ما جاؤوا به وتحريف بعضه الآخر وعلى عدم الاهتداء والعمل بما هو محفوظ عندهم حتى إن أكثرهم هدموا الأسس التي جاء به الأنبياء ومن أعظمها التوحيد فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا.
من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أي آمنوا قبل أن يحل بكم العقاب من طمس الوجوه والرد على الأدبار : أي من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم بها من كيد الإسلام ونردها خاسرة إلى الوراء بإظهار الإسلام ونصره عليكم وقد كان لهم عند نزول الآية شيء من المكانة والقوة والعلم والمعرفة.
و جعل بعضهم الرد على الأدبار حسيا فقال : نردهم على أدبارهم بالجلاء إلى فلسطين والشام وهي بلادهم التي جاؤوا منها.
و خلاصة المعنى : آمنوا قبل أن نعمي عليكم السبيل بما نبصر المؤمنين بشؤونكم ونغريهم بكم فتردوا على أدباركم بأن يكون سعيكم إلى غير الخير لكم.
أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت أي آمنوا قبل أن تقعوا في الخيبة والخذلان وذهاب العزة باستيلاء المؤمنين عليكم وإجلائكم من دياركم كما حدث لطائفة منكم أو بالهلاك كما بقتل طائفة أخرى وهلاكها.
ثم هددهم وتوعدهم فقال :
وكان أمر الله مفعولا المراد من الأمر الأمر تكويني المعبر عنه بقوله عز من قائل : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( يس : ٨٢ ) أي إنما أمره بإيقاع ما نافذ لا محالة ومن هذا ما أوعدتهم به قال ابن عباس يريد لا راد لحكمه ولا ناقض لأمره فلا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله كما تقول في الشيء الذي لا شك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد
و الخلاصة : إنه يقول لهم انتم تعلمون أن وعيد الله للأمم السالفة قد وقع ولا محالة فاحترسوا وكونوا على حذر من وعيده لكم.
تفسير المراغي
المراغي