عقاب الكافرين وثواب المؤمنين
[سورة النساء (٤) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)
الإعراب:
خالِدِينَ حال منصوب من ضمير سَنُدْخِلُهُمْ. أَبَداً ظرف زمان منصوب.
لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مبتدأ وخبر، والجملة حالية، أو استئنافية.
البلاغة:
يوجد طباق بين آمَنُوا... وكَفَرُوا.
ويوجد جناس اشتقاق في ظِلًّا ظَلِيلًا.
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ استعارة، أستعير لفظ الذوق الذي يكون باللسان، إلى الألم الذي يصيب الإنسان، وله صفة الدوام وعدم الانقطاع.
المفردات اللغوية:
كَفَرُوا أنكروا وغفلوا عن النظر في آيات الله، وشككوا فيها مع العلم بصحّتها.
بِآياتِنا أي بالأدلّة التي ترشد أن هذا الدّين حق، ومن أجلّها القرآن.
نُصْلِيهِمْ نشويهم أو ندخلهم. نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ احترقت وتلاشت. بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بأن تعاد إلى حالها الأولى غير محترقة. لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ليقاسوا شدّته.
عَزِيزاً غالبا قادرا لا يعجزه شيء. حَكِيماً في خلقه، يضع الشيء في موضعه المناسب، أو
هو المدبّر للأشياء على وفق الحكمة والصواب. مُطَهَّرَةٌ من العيوب والأدناس الحسية كالحيض والمعنوية. خالِدِينَ دائمين. ظِلًّا ظَلِيلًا ظلّا وارفا دائما لا تنسخه شمس ولا يصحبه حرّ ولا برد، وهو ظلّ الجنّة. وهذه صيغة مبالغة وتأكيد، مثل قولهم: ليل أليل. وقد يعبر بالظل عن العزة والنعمة والرفاهية، فيقال: «السلطان ظل الله في أرضه».
المناسبة:
هذا جزاء الفريقين: المؤمنين والكفار، الذين أشارت إليهم الآية السابقة بأن بعض الناس صدّق بالأنبياء، وبعضهم الآخر أعرض عن اتّباع الحق.
التفسير والبيان:
إن الذين كفروا بآياتنا المنزلة على أنبيائنا، وبخاصة القرآن الذي هو خاتم الكتب الإلهية وأكملها وأبينها، سوف نحرقهم بالنار، ثم أخبر الله تعالى عن دوام عقوبتهم ونكالهم فقال: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها أي كلما احترقت جلودهم، حتى لم تعد صالحة لنقل الإحساس بالألم إلى الدماغ في مركز الشعور، بدّلناهم جلودا أخرى حيّة تشعر بالألم وتحسّ بالعذاب،
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تبدّل جلودهم كلّ يوم سبع مرات».
والسبب هو أن يذوقوا العذاب، أي يدوم لهم ذوقه ولا ينقطع، كقولك للعزيز: أعزّك الله، أي أدامك على عزك وزادك فيه، وهذا مثل قوله تعالى:
كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [الإسراء ١٧/ ٩٧].
ثم أكّد الله تعالى علّة العقاب وبيّن مدى القدرة عليه، فذكر أنه تعالى عزيز قادر لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، حكيم لا يعذب إلا بعدل، ولا يعاقب إلا على وفق الحكمة. ومن مقتضيات العدل: أن الكفر والمعاصي سبب للعذاب أو العقاب، وأن الإيمان والعمل الصالح سبب للنعيم والجنة، فلكل عمل ما يناسبه، لذا قرن ثواب المؤمن بجزاء الكافر، لإظهار الفرق بينهما.
والذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا صالح الأعمال، سيدخلهم ربّهم سريعا جنّات تجري من تحتها الأنهار، يتمتعون فيها بالنعيم الدائم، وهم خالدون فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا، فلا ملل ولا سأم ولا ضجر، جزاء لعملهم الصالح، إذ لا يكفي الإيمان وحده بغير العمل الصالح.
ولهم أزواج بريئات من العيوب الجسدية والخلقية أو الطباع الرّدية، فليس فيهنّ ما يعكر المزاج، أو يكدر الصّفو. ونجعلهم في مكان ممتع ظليل لا حرّ فيه ولا برد، وتلك نعمة كاملة، ورفاهية تامة.
ويلاحظ الفرق بين التعبير عن جزاء الكافرين بسوف وعن ثواب المؤمنين بالسين، ليفيد تحقق الثواب بسرعة ويقين، ويبيّن بعد العقاب المنتظر للكافرين لأنهم في أهوال المحشر ربّما كانوا في عذاب أشد من عذاب النّار.
فقه الحياة أو الأحكام:
هاتان الآيتان تعقدان مقارنة واضحة بين مصير الفريقين: فريق الكافرين وفريق المؤمنين.
أما الكافرون: فعذابهم محقق، والعذاب: هو تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح. فإن قيل: كيف جاز أن يعذب جلدا لم يعصه؟ قيل له: ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب، وإنما العذاب للجملة الحساسة وهي التي عصت، لا للجلد، والألم واقع على النفوس لأنها هي التي تحس وتعرف، فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس. ولو أراد الجلود لقال: ليذقن العذاب.
وتبديل الجلود: أن تأكله النار كل يوم سبع مرات، كما قال مقاتل. أو سبعين مرة كما قال الحسن البصري، أو سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم:
عودوا، فعادوا كما كانوا.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي