ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿ

الْفَرْعُ الرَّابِعُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْحُكْمَ فِي صُورَةٍ بِالْقِيَاسِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَقِيسَهُ عَلَى صُورَةٍ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهَا بِالنَّصِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقِيسَهُ عَلَى صُورَةٍ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ظَاهِرُهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ يَجِبُ رَدُّهُ إِلَى الْحُكْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِنَصِّ اللَّه وَنَصِّ رَسُولِهِ.
الْفَرْعُ الْخَامِسُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْقُرْآنِ، وَالْقِيَاسَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالسُّنَّةِ إِذَا تَعَارَضَا كَانَ الْقِيَاسُ عَلَى الْقُرْآنِ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدَّمَ الْكِتَابَ عَلَى السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَفِي قَوْلِهِ: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَكَذَلِكَ فِي خَبَرِ مُعَاذٍ.
الْفَرْعُ السَّادِسُ: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَ قِيَاسَانِ أَحَدُهُمَا تَأَيَّدَ بِإِيمَاءٍ فِي كِتَابِ اللَّه وَالْآخَرُ تَأَيَّدَ بِإِيمَاءِ خَبَرٍ مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّه، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الثَّانِي، يَعْنِي كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَرْعِ الْخَامِسِ، فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ اسْتَنْبَطْنَاهَا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَقَلَّ مِنْ سَاعَتَيْنِ، وَلَعَلَّ الْإِنْسَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ الْفِكْرَ عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ أَمْكَنَهُ اسْتِنْبَاطَ أَكْثَرِ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: وَأُولِي الْأَمْرِ مَعْنَاهُ ذَوُو الْأَمْرِ وَأُولُو جَمْعٌ، وَوَاحِدُهُ ذُو عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، كَالنِّسَاءِ وَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ، كُلُّهَا أَسْمَاءٌ لِلْجَمْعِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ فِي اللَّفْظِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ قَالَ الزَّجَّاجُ: اخْتَلَفْتُمْ وَقَالَ كُلُّ فَرِيقٍ: الْقَوْلُ قَوْلِي وَاشْتِقَاقُ الْمُنَازَعَةِ مِنَ النَّزْعِ الَّذِي هُوَ الْجَذْبُ، وَالْمُنَازَعَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مُجَاذَبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَصْمَيْنِ لِحُجَّةٍ مُصَحِّحَةٍ لِقَوْلِهِ، أَوْ مُحَاوَلَةِ جَذْبِ قَوْلِهِ وَنَزْعِهِ إِيَّاهُ عَمَّا يُفْسِدُهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذَا الْوَعِيدُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى قَوْلِهِ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَإِلَى قَوْلِهِ:
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ لَمْ يُطِعِ اللَّه وَالرَّسُولَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَخْرُجَ الْمُذْنِبُ عَنِ الْإِيمَانِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهْدِيدِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أَيْ ذَلِكَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَحْسَنُ عَاقِبَةً لَكُمْ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ عِبَارَةٌ عَمَّا إِلَيْهِ مَآلُ الشيء ومرجعه وعاقبته.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٠ الى ٦١]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١)
[فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ إلى قوله تعالى ضَلالًا بَعِيداً] اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ أَنْ يُطِيعُوا اللَّه وَيُطِيعُوا الرَّسُولَ ذَكَرَ فِي

صفحة رقم 119

هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لَا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ وَلَا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ حُكْمَ غَيْرِهِ، وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الزَّعْمُ وَالزَّعَمُ لُغَتَانِ، وَلَا يُسْتَعْمَلَانِ فِي الْأَكْثَرَ إِلَّا فِي الْقَوْلِ الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ. قَالَ اللَّيْثُ:
أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ زَعَمَ فُلَانٌ إِذَا شَكُّوا فِيهِ فَلَمْ يَعْرِفُوا أَكَذَبَ أَوْ صَدَقَ، فَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ أَيْ بِقَوْلِهِمُ الْكَذِبَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الزَّعُومُ مِنَ الْغَنَمِ الَّتِي لَا يَعْرِفُونَ أَبِهَا شَحْمٌ أَمْ لا، وقال ابن العربي: الزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَقِّ، وَأَنْشَدَ لِأُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ

وَإِنِّي أَدِينُ لَكُمْ أَنَّهُ سَيُنْجِزُكُمْ رَبُّكُمْ مَا زَعَمَ
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الَّذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْمُرَادُ بِهِ الْكَذِبُ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: ذَكَرُوا فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ:
قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: نَازَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو الْقَاسِمِ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى الرِّشْوَةِ، وَكَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ كَانَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ فِي الرِّشْوَةِ، وَالْيَهُودِيَّ كَانَ مُحِقًّا، وَالْمُنَافِقَ كَانَ مُبْطِلًا، فَلِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ الْيَهُودِيُّ يُرِيدُ التَّحَاكُمَ إِلَى الرَّسُولِ، وَالْمُنَافِقُ كَانَ يُرِيدُ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، ثُمَّ أَصَرَّ الْيَهُودِيُّ عَلَى قَوْلِهِ، فَذَهَبَا إِلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَكَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْيَهُودِيِّ/ عَلَى الْمُنَافِقِ، فَقَالَ الْمُنَافِقُ لَا أَرْضَى انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ الْمُنَافِقُ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ عُمَرُ، فَصَارَا إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ الْيَهُودِيُّ أَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَبَا بَكْرٍ حَكَمَا عَلَى الْمُنَافِقِ فَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِمَا، فَقَالَ لِلْمُنَافِقِ: أَهَكَذَا فَقَالَ نَعَمْ، قَالَ: اصْبِرَا إِنَّ لِي حَاجَةً أَدْخُلُ فَأَقْضِيهَا وَأَخْرُجُ إِلَيْكُمَا. فَدَخَلَ فَأَخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا فَضَرَبَ بِهِ الْمُنَافِقَ حَتَّى بَرَدَ وَهَرَبَ الْيَهُودِيُّ، فَجَاءَ أَهْلُ الْمُنَافِقِ فَشَكَوْا عُمَرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عُمَرَ عَنْ قِصَّتِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ رَدَّ حُكْمَكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْحَالِ وَقَالَ: إِنَّهُ الْفَارُوقُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ: «أَنْتَ الْفَارُوقُ»
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الطَّاغُوتُ هُوَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ.
الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ أَسْلَمَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ وَنَافَقَ بَعْضُهُمْ،
وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضَرِيًّا قُتِلَ بِهِ وَأُخِذَ مِنْهُ دِيَةٌ مِائَةُ وَسْقٍ مِنْ تَمْرٍ، وَإِذَا قَتَلَ نَضَرِيٌّ قُرَظِيًّا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ، لَكِنْ أَعْطَىَ دِيَتَهُ سِتِّينَ وَسْقًا مِنَ التَّمْرِ، وَكَانَ بَنُو النَّضِيرِ أَشْرَفَ وَهُمْ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ، وَقُرَيْظَةُ حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ، فَلَمَّا هَاجَرَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى الْمَدِينَةِ قَتَلَ نَضَرِيٌّ قُرَظِيًّا فَاخْتَصَمَا فِيهِ، فَقَالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: لَا قِصَاصَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا عَلَيْنَا سِتُّونَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، وَقَالَتِ الْخَزْرَجُ: هَذَا حُكْمُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَنَحْنُ وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ إِخْوَةٌ، وَدِينُنَا وَاحِدٌ وَلَا فَضْلَ بَيْنَنَا، فَأَبَى بَنُو النَّضِيرِ ذَلِكَ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: انْطَلِقُوا إِلَى أَبِي بُرْدَةَ الْكَاهِنِ الْأَسْلَمِيِّ، وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلْ إِلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَبَى الْمُنَافِقُونَ وَانْطَلَقُوا إِلَى الْكَاهِنِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَدَعَا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْكَاهِنَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ، هَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ،
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الطَّاغُوتُ هُوَ الْكَاهِنُ.
الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ حَقٌّ، فَدَعَاهُ الْمُنَافِقُ

صفحة رقم 120

إِلَى وَثَنٍ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهِ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ يُتَرْجِمُ الْأَبَاطِيلَ عَنِ الْوَثَنِ، فَالْمُرَادُ بِالطَّاغُوتِ هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ.
الرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ: كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الْأَوْثَانِ، وَكَانَ طَرِيقُهُمْ أَنَّهُمْ يَضْرِبُونَ الْقِدَاحَ بِحَضْرَةِ الْوَثَنِ، فَمَا خَرَجَ عَلَى الْقِدَاحِ عَمِلُوا بِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالطَّاغُوتُ هُوَ الْوَثَنُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ، ثُمَّ قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، مِثْلَ أَنَّهُ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ عَلَى سَبِيلِ النِّفَاقِ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّمَا يَلِيقُ بِمِثْلِ هَذَا الْمُنَافِقِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: مَقْصُودُ الْكَلَامِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ أَرَادَ أَنْ يَتَحَاكَمَ إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الطُّغْيَانِ وَلَمْ يُرِدِ التَّحَاكُمَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّحَاكُمُ إِلَى هَذَا الطَّاغُوتِ كَالْكُفْرِ، وَعَدَمُ الرِّضَا بِحُكْمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُفْرٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ فَجَعَلَ التَّحَاكُمَ إِلَى الطَّاغُوتِ يَكُونُ إِيمَانًا بِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالطَّاغُوتِ كُفْرٌ باللَّه، كما أن الكفر بالطغوت إِيمَانٌ باللَّه. الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النِّسَاءِ: ٦٥] وَهَذَا نَصٌّ فِي تَكْفِيرِ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [النُّورِ: ٦٣] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَتَهُ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ دَلَائِلُ عَلَى أَنَّ مَنْ رَدَّ شَيْئًا مِنْ أَوَامِرِ اللَّه أَوْ أَوَامِرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ رَدَّهُ مِنْ جِهَةِ الشَّكِّ أَوْ مِنْ جِهَةِ التَّمَرُّدِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ مَا ذَهَبَتِ الصَّحَابَةُ إِلَيْهِ مِنَ الْحُكْمِ بِارْتِدَادِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقَتْلِهِمْ وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُفْرَ الْكَافِرِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّه وَلَا بِإِرَادَتِهِ، وَبَيَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَوْ خَلَقَ اللَّه الْكُفْرَ فِي الْكَافِرِ وَأَرَادَهُ مِنْهُ فَأَيُّ تَأْثِيرٍ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ فَلِمَ ذَمَّهُ عَلَيْهِ؟ الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ الشَّيْطَانَ بِسَبَبِ أَنَّهُ يُرِيدُ هَذِهِ الضَّلَالَةَ؟ فَلَوْ كَانَ تَعَالَى مُرِيدًا لَهَا لَكَانَ هُوَ بِالذَّمِّ أَوْلَى مِنْ حَيْثُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَابَ شَيْئًا ثُمَّ فَعَلَهُ كَانَ بِالذَّمِّ أَوْلَى قَالَ تَعَالَى: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصَّفِّ: ٣] الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ صَرِيحٌ فِي إِظْهَارِ التَّعَجُّبِ مِنْ أَنَّهُمْ كَيْفَ تَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ التَّحَاكُمُ بِخَلْقِ اللَّه لَمَا بَقِيَ التعجب، فانه يقال: إنما فعلوا لا جل أَنَّكَ خَلَقْتَ ذَلِكَ الْفِعْلَ فِيهِمْ وَأَرَدْتَهُ مِنْهُمْ، بَلِ التَّعَجُّبُ مِنْ هَذَا التَّعَجُّبِ أَوْلَى، فَإِنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ ثُمَّ أَخَذَ يَتَعَجَّبُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَيْفَ فَعَلُوا ذَلِكَ كَانَ التَّعَجُّبُ مِنْ هَذَا التَّعَجُّبِ أَوْلَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَاصِلَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ يَرْجِعُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِطَرِيقَةِ الْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ، وَقَدْ عَرَفْتَ مِنَّا أَنَّا لَا نَقْدَحُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إِلَّا بِالْمُعَارَضَةِ بِالْعِلْمِ وَالدَّاعِي واللَّه أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً وفيه مسألتان:

صفحة رقم 121

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية