ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما
الآيات السابقة بينت أحوال المنافقين وصفات الإيمان، وأن مظهر قوة الإيمان إطاعة الله ورسوله، والرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف، وتحكيمهما في كل أمور الحياة التي تحتاج إلى حكم وفصل. وأقسم الله بذاته العلية التي خلقت كل ما في الوجود، وقامت عليه بالحفظ، ألا يكون الإيمان الكامل إلا لمن يُحكِّم الله ورسوله في كل الخصومات، ويذعن للحكم من غير تململ، ولا تردد. وفي هذه الآيات يبين أن الذين يذعنون لأمر الله ونهيه، حتى في النفس وترك الأهل، قليلون وليسوا كثيرين، وهم الذين تقوم عليهم قوة الأمة، ولذا قال سبحانه : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم
الإشارة إلى كل ما ذكر من جزاء على طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، من أجر عظيم، وهداية إلى الصراط المستقيم، ورفقته مع الأخيار الأبرار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هذا كله فضل من الله تعالى العلي الكبير، وعطاء منه، ورحمة يرحم بها المتقين، وهو العليم بكل ما يعملون من خير، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع البصير. فقوله تعالى : وكفى بالله عليما فيه بيان أنه يعلم سبحانه من يستحق فضله وعطاءه، ومن لا يستحق، وفيه إشارة إلى أن الطاعة هي طاعة العالم بكل شيء، فالطاعة فيها مصلحة للعباد ؛ وكون الجزاء بفضل الله فيه إشارة إلى أن العمل وحده لا يستوجب العطاء، إنما هو من فضل الله تعالى. ولقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"لن يُنَجِّي أحدا منكم عمله"، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال :"ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته. سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة ( أي من قيام الليل )والقصد القصد تبلغوا"(١). اللهم اختم لنا بخير ما نعمل، ونجنا بفضل رحمتك من سوء أعمالنا، إنك ذو الفضل العظيم.
زهرة التفاسير
أبو زهرة