فالفضل من الله يستمد حيثيته من سعي الإنسان، فقوله : وأن ليس للإنسان إلا ما سعى حددت الحق الذي لك والذي توجبه عدالة التكليف، لكن ربنا لم يقل : إن هذا العطاء لله من الحق والعدل. بل هو من الفضل، والفضل من الله هو مناط فرح المؤمن ؛ لأنك مهما عملت في التكليف فلن تؤديه كما يجب بالنسبة لله، ولذلك أوضح سبحانه لنا : تنبهوا.. أنا كلفتكم وقد تعملون وتجتهدون، لكن لا تفرحوا مما سيجمعه هذا العمل من حسنات، ولكن سيكون فرحكم بما يعطيكم ربكم من فضله قال سبحانه :
قل بفضل من الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون٥٨ ( سورة يونس ).
وذلك الفضل من الله يرد على من يقول : كيف يجيء " ثوبان " أو من دون " ثوبان " ويكون في الجنة مع النبيين والصديقين ومع الصالحين، ونقول : لو لم تكن منزلته أدنى لما كان في ذلك تفضل، إنه ينال الفضل بأن كانت طاعته لله ولرسوله فوق كل طاعة، أما حبه لله وللرسول، فهذا من سعيه وعمله بتوفيق الله له وما توفيقي إلا بالله والفضل هو مناط فرح المؤمن، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما . ونحن نرضى ونفرح ونكتفي بعلم الله ؛ لأنه سبحانه يرتب أحكامه على علم شامل ومحيط، ويعرف صدق الحب القلبي وصدق الودادة، وصدق تقدير المؤمن لمن زاد عنه في المنزلة.
وبعد أن أمن الحق لنا داخلية وطننا الإيماني، وتجمعنا الإسلامي بالأصول التي ذكرها، وهي : أن نؤدى الأمانات، وإذا أدينا الأمانات فلن نحتاج إلى أن نتقاضى، فإذا غفل بعضنا ولم يؤد أمانة، وحدث نزاع فسيأتي الحكم بالعدل. وبعد ذلك نحتكم في كل أمورنا إلى الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نحتكم إلى الطواغيت، وهات لي مجتمعا إيمانيا واحدا يؤدي الأمانة ولا يشعر بالاطمئنان.
وعرفنا أن الأمانة هي : حق لغيرك في ذمتك أنت تؤديه، وكل ما عداك غير. وأنت غير بالنسبة لكل ما عداك، فتكون كلها مسالة في الخير المستطرق للناس جميعا، وإذا حدثت غفلة يأتي العدل. والعدل يحتاج حكما، وعندما نأتي لنحكم نحتكم لله وللرسول، وإياك أن تتحاكم إلى الطاغوت سابقا، والآن أيضا يوجد من هم مثل كعب بن الأشرف. بل هناك طواغيت كثيرة.
إنك إذا رأيت خللا في العالم الإسلامي فأعلم أن هناك خللا في تطبيق التكليف الإسلامي، فكيف تستقيم لنا الأمور ونحن بعيدون عن منهج تكاليف الإسلام المكتملة ؟ ولو استقامت الأمور لكانت شهادة بأن هذا المنهج لا ضرورة له. لكن إذا حدث شيء فهذا دليل صدق التكليف.
وبعد أن طمأننا على المصير الأخروي مع النبيين والصديقين والشهداء أوضح سبحانه : لاحظوا أن كل رسالة خير تأتي من السماء إلى الأرض ما جاءت إلا لمحاربة فساد وقضاء على فساد طام في الأرض ؛ لأن النفس البشرية إما أن يكون لها وازع من نفسها بحيث إنها قد تهم مرة بمعصية ثم توبخ نفسها وتعود إلى المنهج، فتكون مناعتها ذاتية، وإما أن المناعة ليست ذاتية في النفس بل ذاتية في البيئة، فمثلا نجد واحدا لا يقدر على نفسه. لكنه يجد واحدا آخر يقول له :" هذا عيب ". وهذا يعني أن البيئة مازال فيها خير، وكانت الأمم السابقة قد خلت من المناعة وصارت على هيئة ومسلك واحد وهو ما يصوره الحق بقوله : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ( من الآية ٧٩ سورة المائدة ).
إذن فقد فسدت مناعة الذات، ولا توجد مناعة في المجتمع، فتتدخل إذن السماء. لكن الحق فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وميزها على غيرها من الأمم لأن مناعتها دائما في ذوات أفرادها. فإن لم تكن في ذوات الأفراد ففي المجموع، فلا يمكن أن يخلو المجتمع الإيماني من فرد يقول : لا. ولذلك لن يأتي رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو كانت ستحدث طامة وفسد بها المجتمع ولا نجد فيه من يقول : لا.. لكان ولابد أن يأتي رسول، لكن محمدا كان خاتم النبيين ؛ لأن الله سبحانه وتعالى فضل أمة محمد بأن جعل وازعها دائما إما من ذاتها بحيث يرد كل فرد نفسه وتكون نفسه لوامة، وإما مناعة في المجتمع وكل واحد فيه يوصي، وكل واحد يوصي، واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى :
والعصر١ إن الإنسان لفي خسر ٢ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ٣ ( سورة العصر ).
تواصوا لماذا ؟ لأن النفس البشرية أغيار، فقد تهيج نفسي لأخرج عن المنهج مرة ؛ فواحد آخر ينهاني، وانا أردها له وأهديه وأرشده إلى الصراط المستقيم، وواحد آخر أخطا فأنا أقول له وانهاه. إذن فقوله :{ وتواصوا " يعني : ليكن كل واحد منكم موصيا وموصى. فكلنا ينظر بعضنا ويلاحظه ؛ من ضعف في شيء يجد من يقومه، فلا ينعدم أن يوجد في الأمة المحمدية موص بالخير وموصى أيضا بالخير، وتوجد في النفس الواحدة أنه موص في موقف وموصى في موقف آخر ؛ بحيث لا يتأبى إن وصاه غيره ؛ لأنه كان يوصي بالأمس، وكما قالوا :" رحم الله امرأ أهدى إلى عيوبي ".
وبعد أن استكمل الحق بناء البيئة الإيمانية برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وصرتم أنتم آخر الأمم. فهو سبحانه يطمئننا على أن الشر لا يطم عندنا وستبقى فينا مناعة إيمانية حتى وإن لم يلتزم قوم فسيلتزم آخرون. وإن لم يلتزم الإنسان في كل تصرفاته، فسيلتزم في البعض ويترك البعض، ولو لم تتدخل السماء بمنهج قويم لصار العالم متعبا. وكيف يتعب العالم ؟ ان العالم يتعب إذا تعطلت فيه مناهج الحق الذي استخلفنا في الأرض. فتطغى مظاهر الجبروت والقوة على مظاهر الضعف. ويتحكم في كل إنسان هواه.
وفي عالمنا المعاصر نرى حتى في الأمم التي لا تؤمن بدين لا تترك شعوبها لهوى أفرادها، بل ينظمون الحياة بتشريعات قد تتعبهم، ووضعت الأمم غير المتدينة لنفسها نظاما يحجز هوى النفس، ونقول لهم : أنتم عملتم على قدر فكركم، وعلى قدر علمكم بخصال البشر، وعلى قدر علمكم بالطبائع وأنتم تجنيتم في هذه ؛ لأنكم تقننون لشيء لم تخلقوه بشيء لم تصنعوه.
وأصل التقنين : أن تقنن لشيء صنعته، كما قلنا : إن الذي يضع برنامج الصيانة لأي آلة هو من صنع الآلة، فالذي صنع التلفزيون أيترك الجزار يضع للتليفزيون برنامج الصيانة ؟ لا، فمن صنع التلفزيون هو الذي يضع قانون صيانته، فما بالنا بالذي خلقنا ؟ إنه هو الذي يضع قانون صيانتي : ب " افعل ولا تفعل "، فأنتم يا بشر تتحكمون في أشياء بأهواء بعض الناس وتقولون : افعل هذه ولا تفعل "، فعلى أي أساس عرفتم شرور المخالفات ؟ هل خلقتم أنتم النفس وتعرفون ملكاتها ؟ لا. بدليل أنكم تعدلون قوانينكم، ويحدث التعديل كما قلنا لأن المشرع يتبين خطأ فيستدرك الخطأ، والمشرع البشري يخطئ لأنه يقنن لما لم يصنع، فإذا كنا لا نريد أن يظهر خطأ فلنترك التقنين لمن صنع وهو الله.
تفسير الشعراوي
الشعراوي