يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ( النساء : ٧١-٧٣ ).
تفسير المفردات : حذركم : الحذر والحذر كالمثل والمثل : الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو النفر : الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء كالنزوع عن الشيء إلى الشيء ومن الأول : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا ( الإسراء : ٤١ ) ومن الثاني النفر إلى الحرب والثبات : واحدها ثبة : وهي الجماعة المنفردة
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه في هذه السورة كثيرا من الأمور الدينية من عبادته تعالى وعدم الشرك به والمدينة كمعاملة ذوي القربى والجيران واليتامى والمساكين والشخصية كأحكام الزواج والمصاهرة والمواريث بين في هذه الآيات بعض الأحكام الحربية والسياسية ورسم لنا الطريق التي نسير عليها في حفظ ملتنا وحكومتنا المبنية على تلك الأصول من الأعداء.
الإيضاح : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم أي احترسوا واستعدوا لاتقاء شر العدو بأن تعرفوا حاله ومبلغ استعداده وقوته وإذا كان لكم أعداء كثيرون فاعرفوا ما بينهم من وفاق وخلاف واعرفوا الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا واعملوا بتلك الوسائل ويدخل في ذلك معرفة حال العدو ومعرفة أرضه وبلاده وأسلحته واستعمالها وما يتوقف على ذلك من معرفة الهندسة والكيمياء وجر الأثقال وعلى الجملة اتخاذ أهبة الحرب المستعملة فيها من طيارات وقنابل ودبابات وبوارج مدرعة ومدافع مضادة للطائرات إلى نحو ذلك حتى لا يهاجمكم على غرة أو يهددكم في دياركم وحتى لا يعارضكم في إقامة دينكم أو دعوتكم إليه.
و قد كان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على علم بأرض عدوهم كما كان لهم عيون وجواسيس يأتونهم بالأخبار ( قلم مخابرات ) ولما أخبروه بنقض قريش للعهد ( إخلالهم بشروط المعاهدة في صلح الحديبية ) استعد لفتح مكة ولم يفلح أبو سفيان في تجديد العهد مرة أخرى وقد كان يظن أن المسلمين لم يعلموا بنكثهم له.
و قد قال أبو بكر لخالد بن الوليد في حرب اليمامة : حاربهم بمثل ما يحاربونك به السيف بالسيف والرمح بالرمح.
و ما رواه الحاكم عن عائشة " لا يغني حذر من قدر " لا يناقض أخذ الحذر لأن الأمر بالحذر داخل في القدر فالأمر به لندفع عنا شر الأعداء لا لندفع القدر ونبطله إذ القدر هو جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسببات والحذر من جملة الأسباب فهو عمل بمقتضى القدر بما يضاده.
فانفروا ثبات أو انفروا جميعا أي فانفروا جماعة إثر جماعة بأن تكونوا فضائل وفرقا - إذا كان الجيش كبيرا أو موقع يستدعي ذلك – أو تنفر الأمة كلها جميعا إذا اقتضت الحال ذلك بحسب قوة العدو.
و الخلاصة : إنكم إما أن تنفروا جماعات جماعات وإما أن ينفر جميع المؤمنين على الإطلاق بحسب حال العدو.
و امتثال هذا الأمر يقتضى أن تكون الأمة على استعداد دائم للجهاد بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب ويتمرن عليها وأن تقتني السلاح الذي تحتاج إليه في هذا النضال وتعلم كيفية استعماله في كل زمان بما يناسبه.
و من هذا تعلم أن الحكومة الإسلامية يجب عليها أن تقيم هذا الواجب بنفسها لا أن تبقى عالة على غيرها وعلى الأمة أن تساعدها عليه بل تلزمها إياه إذا قصرت فيه بعكس ما نراه الآن من تراخي الأمم الإسلامية وضعفها وتوانيها في ذلك حتى طمعت فيها كل الدول التي تجاورها واجتاحتها من أطراها واجتثت كثيرا من كورها وأقاليمها.
و قد شدد الدين أيما تشديد في هذا الأمر فجاء مثل هذا في قوله تعالى : وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ( الأنفال : ٦٠ ) وجاءت أحاديث كثيرة بهذا المعنى.
المعنى الجملي : بعد أن بين سبحانه في هذه السورة كثيرا من الأمور الدينية من عبادته تعالى وعدم الشرك به والمدينة كمعاملة ذوي القربى والجيران واليتامى والمساكين والشخصية كأحكام الزواج والمصاهرة والمواريث بين في هذه الآيات بعض الأحكام الحربية والسياسية ورسم لنا الطريق التي نسير عليها في حفظ ملتنا وحكومتنا المبنية على تلك الأصول من الأعداء.
تفسير المراغي
المراغي